☘️🌹☘️
من الذي لا يعرف القصة الخالدة لنبي الله سليمان عليه السلام ، حين إختصمت أمامه إمرأتان في رضيع تدعي كل منهما أمومته ، فأمر بحكمة أن يشق الطفل لنصفين ، ليظهر معدن كل واحدة منهما ، فتكشفت الحقيقة حين قالت إحداهن : لا تفعل هو إبنها ، بينما صمتت الأخرى بلا إكتراث ، فقدرت العدالة أن من ضحت بالأمومة لأجل بقاء الطفل هي الأم الحقيقية .
تلك القصة التي نستلهم منها الحكمة السياسية ، تجد صداها اليوم لا في محكمة نبي ، بل في دهاليز السياسة السودانية القذرة ، و إنه لمن الغريب أن نجد بيننا من يتقمص دون حياء دور الأم المزيفة ، التي صمتت عند التهديد بشطر الطفل إلى نصفين ، و الباحثة في صمتها عن مصلحتها الخاصة و لو على حساب الوطن و دمائه و مصيره .
إن الدكتور عبد الله حمدوك ، رئيس الوزراء السابق ، يبدو اليوم أشبه ما يكون بتلك المرأة التي لم يهمها إن قسم الطفل إلى نصفين ، ما دام ذلك يمنحها حكماً مزيفاً أو دوراً محفوظاً ، فمنذ خروجه من السلطة ، لم يتخذ من مواقفه سوى ما يدعم عودته هو ، لا عودة الوطن إلى رشده .
تصريحه الأخير برفض تعيين د. كامل إدريس رئيساً للوزراء ، تحت ذريعة غياب الشرعية و التوافق الوطني يفتقر إلى عمق أخلاقي واضح ، حين يصدر من إنسان قاد بنفسه مشروعاً باهتاُ في الانتقال ، و سمح لنفسه أن يكون شاهد زور على طعن الثورة السودانية .
لا ننسى أن حمدوك برع في التلاعب السياسي منذ كان على رأس الحكومة ، يوم ان صور للعالم محاولة اغتيال مفتعلة ، ليكسب تعاطفاً سياسياً و يضفي على نفسه هالة الزعامة المهددة في الوقت الذي ليس له أي قيمة يهدد من أجلها ، و كما لا يخفى على المتابعين علاقته المباشرة بمشروع التطبيع مع إسرائيل ، والذي حاول التبرؤ منه عبر التظاهر بعدم علمه بلقاء البرهان و نتنياهو في عنتبي ، رغم أن الوثائق والشهادات تشير إلى أن حمدوك ، بالتعاون مع الراحلة د. نجوى قدح الدم ، كان من أبرز مهندسي تلك المبادرة .
فلماذا يهاجم كل محاولة إنتقال لا يكون فيها هو رأس الحربة ؟ ، فالجواب بسيط : حمدوك لا يختلف كثيراً عن تلك المرأة التي قبلت شطر الطفل ما دام ذلك يبعده عن حضن أمه الحقيقية ، فالوطن ليس غاية عنده ، بل وسيلة للعودة إلى الحكم ، أو على الأقل ، للبقاء لاعباً في المشهد .
حين نعود إلى موقفه المعروف من الدفع بالسودان تحت البند السادس من ميثاق الأمم المتحدة ، نفهم طبيعة عقيدته السياسية التي تقبل أن يدار السودان بوصاية خارجية، و لا مانع من تفكيك الجيش أو تمزيق السيادة ، ما دام ذلك يفتح له ولمن خلفه أبواب العودة عبر نافذة المجتمع الدولي ، فهل هذا موقف من يحب وطنه ؟ ، أم أنه من يرى في السودان طفلاً يجب أن يُقسم ليبقى هو صاحب نصفه الميت ؟ .
رغم محاولات البعض وضع الدكتور عبد الله حمدوك في مصاف القادة الوطنيين ، فإن مقارنة عابرة بينه و بين الدكتور كامل إدريس تكشف بجلاء فداحة المفارقة ، فالأول موظف أممي محدود الخبرة ، لم تنضجه التجربة السياسية ، و لم تصقله أروقة الفكر ، بل جاء إلى المنصب كما تلقى الحصى في الماء الراكد ، أما د. كامل إدريس فهو سياسي محنك ، و مثقف موسوعي ، تجاوز صيته حدود القارات ، و تقدم حيث ارتبك غيره ، فكامل إدريس بخلفيته الأكاديمية المتينة و براعته اللغوية التي تسع أكثر من خمس لغات ، يبدو كمن جاء من زمن متقدم بخمسة آلاف سنة ضوئية على الأقل ، بينما لا يزال حمدوك عالقاً في أول سطر من مشروع تخرجه الذي لا يُقنع لجنة بحث محايدة ، إنها ليست مقارنة بين رجلين وحسب ، بل بين من يرى في الوطن رسالة ، ومن يراه مجرد منصة .
لقد شبه الكثيرون ممارسات الطاغية السوري بشار الأسد بتلك المرأة المزيفة ، حين فضل شطر بلاده و ذبحها على أن تخرج من قبضته . و اليوم لا يبدو أن الدكتور عبد الله حمدوك بعيد عن هذا النموذج و إن اختلفت الأدوات و الأساليب ، فالصمت حين يهدد الوطن ، و المراوغة حين يطلب الموقف ، و المبادرات التي تهدف إلى العودة لا الإصلاح ، كل ذلك يجعل منه نموذجاً سياسياً مخادعاً ، لا وطنياً مخلصاً .
الوطن اليوم لا يحتاج إلى زعماء يتحدثون عن التوافق بينما يشترطون أن يكونوا في مقدمة كل مشروع ، ولكن السودان اليوم بحاجة إلى من يشبه تلك الأم الحقيقية ، التي تفضل أن تبقى بعيدة عن طفلها ، ما دام الوطن حياً و سليماً ، أما من يقبل شقه بإسم العدل ، أو يزعم الوفاء و هو أول من يدفع نحو الاحتراب ، فإن التاريخ لن يرحمه ابداً .
و نصر من الله و فتح قريب و بشر المؤمنين
