ولدت وترعرعت في مراغة الطيبة بطيبة اهلها تلك القرية الوادعة التي كانت مرآة لصباي فيها خطوت أولى خطواتي وعلى ترابها عرفت الحياة بمعناها القريب والبعيد. عشت تفاصيلها كما تعاش القصص الكبيرة كل زاوية في مراغة كانت تحكي حكاية وكل نخلة تحفظ سرا وكل مجرى ماء يروي سيرة نحن جيل عشنا فيها حياة مترعة بالشقاوة البريئة والمغامرات الصادقة بشاويش جنينة وخور الشمدي على نحوٍ لا يختلف كثيرا عما عاشه من سبقونا من أجيال نهلنا من ذات “الصندوق التقليدي” الذي وحدنا جميعا فكرا وفهما طعامنا واحد شرابنا بسيط لباسنا متشابه (كبك- باتا- بلبل – سكر سكر- دبلان – دمورية -سلك وألعابنا تنسجها الطبيعة من حولنا لم نكن نحتاج إلى ألعاب مصنعة أو شاشات مضيئة فقد كانت الضفة ملعبنا والخيران منابت مغامراتنا، والنهر مرآتنا الأولى. نلعب في البر كما نحتفل في النهر في الأفراح كما في الأتراح حيث لا مكان للفردية ولا مجال للعزلة كانت كل العابنا تمتاز بالجماعية والقوة والمنافسة بروح رياضية.
كانت وحدتنا نسيجا دقيقا لا يكسره إلا قدوم أولئك الشباب العائدين من الخرطوم كانوا يلبسون “القميص الإفرنجي ويتحدثون بلهجة مختلفة( بين هوي واي) كنا نراهم كحاملي رسائل من زمن جديد كنا نستقبلهم بحماسة الأطفال نرافقهم ونجاملهم ونحاول جاهدين أن نعكس صورة طيبة لبلدنا ليعاودهم الحنين
تعلمنا من النخيل الشموخ ومن الساقية الصبر ومن الرمال الصافية النقاء ومن أمهاتنا الدهشة في تحويل القليل إلى كثير ووكأن لسان حالهن تقول “الدار عامرة بأهلها، لا بما فيها”، وكانت تلك العبارة دستورا غير مكتوب يحكم به في كل بيت.
وكانت الأحزان رغم ثقلها، تقاس بميزان الجماعة حين يموت أحد لا يحزن عليه أهله وحدهم، بل تلبس القرية كلها ثوب الحداد. تستقبل النساء المعزيات بالبكاء الجماعي وينسج “بيت البكاء” بخيوط الحزن والرثاء. أربعون يومًا من الحضور لا لأن الألم يقل بل لأن الحياة في مراغة لا تتيح للفرد أن يتحمل وحده ما لا طاقة له به.
وكما الأحزان جماعية كانت الأفراح كذلك بل أكثر وهجا وبهاء العريس ملك متوّج والعروس تحمل كما تُحمل الكلمات العزبة في القلوب كان الزواج طقسا اجتماعيا وثقافيا وروحيا معا يمتد على أيام طوال تبدأ بالترتيبات ولا تنتهي إلا بالزغاريد الأخيرة في “سيرة النهر”. ويُشرف على كل ذلك الوزير – وهو لقب يُمنح لواحد من اصدقاء العريس الحكماء – يُشرف على الغلال والضيافة والحناء والزفة ينسق الحضور ويُرتب الليل والنهار بحكمةٍ لا يملكها إلا من خبر الحياة عن كثب وكانت ذروة الفرح التي تنتظرها العيون وتتحضر لها الأرواح كما في المعتقد هي طقوس الجرتق ذلك الاحتفال العميق الذي يجمع بين الزينة والقداسة، بين العرف والهوية لا يُقام الجرتق في أي مكان، بل يهيأ له فضاء خا، يُفرش بالبروش المزركشة وتحاط أطرافه بالأواني الفخارية ( الحق) ويوزع فيه البخور بخطى موزونة كأن الأرواح هي من تُعطّر لا الأجساد ( نوبية فرعونية موروثة))
تزيّن العروس بثوب احمر وتزين يداها بحناء داكنة وتُربط يدها بخيط من الحرير الأحمر مع العريس في رمزية دافئة للارتباط الأبدي توضع الحلى الذهبية في صدرها وتلبس “القوايش” في يديها في مشهد يفيض بأصالة الجمال النوبي والمرويات السودانية العريقة بينما ترتفع الزغاريد وتمتزج مع دقة الدلوكة وصوت “العرضة”.
لم يكن الجرتق زينة بل وثيقة انتماء إعلانا عن بداية جديدة تحمل بداخلها جذور الماضي اللحظة التي تلتقي فيها الأجيال الجدات يُوشوشن وصايا طويلة ودعاء وتمجيد للاسرة بنغمات ( ماق ماق تود) والأمهات يذرفن دموعا بين الفرح والخوف والصغيرات يُحدّقن مبهورات بلمعان الذهب يحلمن بدورهن بيوم الجرتق القادم.
وكانت الغرفة التي يزفّ إليها العريس تُحرس ليلتها الأولى بواسطة الوزير كما يحرس الكنز لا خوفا بل تبجيلا نعم هي المساحة التي تشهد ميلاد أسرة جديدة، في قرية لا تقدس فقط الأرض بل تبارك الإنسان في كل تحولاته.
كان كل شيء يتم بتكافل مدهش لا أحد يترك وحده في الفرح أو الحزن لا أحد يُسأل عمّا يملك لأن الكل يملك الكل في زمننا لم يكن يُباع اللبن ولم تباع بهيمة لصاحب فرح ولم تُكتب شروط مجحفة اذا تتطلب الامر يكفي أن تكون ابن مراغة لتُفتح لك البيوت وتُنسج لك الثياب وتُزرع لك البهجة.
جيل آبائنا جيل غظيم في بساطته زرعوا القطن وغزلوه بأيديهم ونسجوا منه ثيابهم زرعوا السمسم وعصروه وانتجوا الزيوت اعدوا منها الطعام ودهنوا به رؤوس أطفالهم. لم يعرفوا الاستيراد ولم يعتمدوا على سلع مغلفة كانت الحياة تمشي بخطى هادئة، لكن راسخة.
السواقي كانت تدور كأنها ساعة مائية تُقسم الوقت بدقة وتوزع الماء بعدالة لم يظلم أحد كل له دوره وصوته ومكانه..
اليوم نعيد سيرتها بالزواج الجماعي مستصحبين الحداثة والتكافل هو التكافل.
والسلام
