☘️🌹☘️
في صباح مشمس من صباحات الشمال الواثقة ، وعلى غير عادة زيارات المسؤولين الروتينية التي تطغى عليها البرتكولات و الطابع الرسمي ، دخل رئيس الجهاز القضائي بالولاية الشمالية فضيلة مولانا خالد ميرغني محمد فضل ذاك الرجل الذي تشهق أنفاسه العدالة ، و يزفر صدره الرحمة ، فدخل إلى مجمع محاكم مروي وكأنه أحد أبنائها ، لا مواكب صارخة ، و لا كلمات معدّة سلفاً ، بل خطوات هادئة تحمل في طياتها رسالة واضحة و تصدح بأن العدالة لا تدار من المكاتب ، و لكنها تبنى على الأرض ، و سط الناس ، حيث تنبض الحياة بالإقاعات المتداخلة و فسح الآمال .
ما بدا للبعض ، إنها زيارة روتينية لتفقد العمل ، و لكن إنقلبت سريعاً إلى حدث إداري استثنائي ، كشف عن ملامح قائد لا يكتفي بقراءة التقارير ، بل ينزل إلى الميدان ليرى بأم عينه ، و يستمع بآذانه و حضوره ، و يسأل ليطمئن ، يناقش ليطمئن بأنه موجود في قلب الحدث ، و يقترح برؤية القائد الذي يهتم بمن يقود ، لم يكن الرجل يبحث عن أخطاء ليحاسب من إرتكبها ، بل كان ينقب عن مكامن الضعف ليقويها و يبني ، و هذا الرجل الفريد يمنح العاملين دفعة قوية في ظروف أقل ما توصف به أنها (حرجة) .
من بين الممرات والملفات والمكاتب المتواضعة ، إلتقط مولانا خالد همسات الموظفين و هموهم ، ورأى في وجوه القضاة ما لا تلتقطه العين المجردة من إرهاق نبيل ، وشغف مكبوت ، وحاجة ملحة إلى من يربت على أكتافهم المثقلة بهموم إحقاق العدالة .
الرجل أتى ليقول للجميع من قضاة و موظفين و متحاكمين أمام العدالة ، و أصحاب مصالح متعلقة بالمؤسسة (أنا معكم) ، لم يتحدث كثيراً عن القوانين والنصوص ، بل ركز على الإنسان خلف المنصة ، الموظف خلف النافذة ، العامل الذي لا يراه أحد في التقارير لكنه يحفظ انتظام العمل بروح منضبطة .
أما في كريمة فكان الحدث حينما وقف على مشروع المحكمة الجديدة ، لم يسأل عن الميزانية أولاً ، بل سأل : (هل التصميم يراعي احتياجات القضاة ؟ ، و هل سيكون المكان مهيأً لاستقبال الناس و يحفظ كرامتهم ؟) ، كانت لحظة مهمة ليكشف فيها عن جانب إداري بعيد عن الصخب ، و لكنه جوهري ، و أثبت ان العدالة لا تقوم فقط بالقوانين ، بل بالبيئة التي يمارس فيها ، و بالروح التي تسري في جسد المؤسسة .
و ما كان تدشينه لمشروع إنارة استراحة كريمة إلا مثال بسيط على هذه الرؤية الثاقبة ، التي تؤكد أن راحة القاضي و كرامة الموظف و العامل هي جزء من العدالة ذاتها ، وأن الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة هو ما يصنع الفرق في بيئة العمل .
و لعل الأهم في تفاصيل هذا الحدث الإستثنائي ، أنه لم يغادر إلا بعد أن بث في النفوس شيئاً من الطمأنينة ، ومنح للمكان روحاً جديدة ، فلم تكن زيارته مجرد متابعة إدارية كما يقول ظاهرها ، بل كانت أقرب إلى جلسة مصارحة بين قائد و فريقه ، جلس معهم لا ليقول لهم ما يفعلون ، بل ليسمع منهم ما يجب أن يفعل ، و هذا القرب الوجداني هو ما جعل ردود الفعل تأتي صادقة ، حارة ، و مفعمة بالامتنان .
في هذا التوقيت الدقيق من عمر الزمان ، الذي تتداعى فيه أركان كثيرة في البلاد ، وضع مولانا خالد درساً في القيادة الهادئة و الرائقة و الصامتة ، و المؤسسة يمكن أن تُعاد لها الروح لا بالشعارات، بل بالحضور الفعلي، والرؤية العملية، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص .
هكذا كتب مولانا خالد ميرغني سطراً جديداً في سجل القضاء السوداني ، و ذلك ليس بالحبر فقط ، و كان بماء الذهب خظ العنوان الأبرز و بالهمّة ، و النية الصافية ، و الشفافية المطلقة ، و القدرة على بعث الحياة في جسدٍ أرهقته السنون و الصراعات و الحروب .
و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
