19.2 C
Khartoum
الأحد, مارس 1, 2026

همس الحروف .. كلية النهضة و مسيرة التحدي في زمن الحرب .. د. الباقر عبد القيوم علي

في لحظة ما ، كان صوت الحزن يملأ أرجاء الخرطوم ، و كل السودان ، و الدموع تسقط على ملامح المدينة المسلوبة التي استكان لها الهم لسنوات طويلة ، و نحن لا نحسبها بالقيد الزمني الذي نعيشه ، و أنما نحسبه بالفجوة الروحية التي تعمقت في نفوسنا حينما إختطفت عاصمة بلادنا من تحت أيدينا .

و لكن الحمد لله فقد ولدت اللحظة التي كانت بداية فجر جديد ، إنها لحظة تحرير الخرطوم التي تم فيها إحياء الأمل من جديد ، و كانت الفرحة عارمة تنتشر في شوارع العاصمة و جميع مدن السودان ، يتعانق فيها الصغير مع الكبير ، وتهمس الأنفاس بحرية طالما حلموا بها ، و قلوب الجميع كانت ترفرف شغفاً على مدينتهم و فرحاً بتحريرها ، ومن بين تلك الجماهير ، كان الطلاب ، لا سيما طلاب كلية النهضة ، الذين كانوا في مقدمة من استشعروا تلك الحرية وأدركوا حجمها الحقيقي .

بالنسبة لهم لم تكن الخرطوم وحدها هي التي تحررت ، بل كان تحرير كليتهم و موقعها الذي توسط قلب المدينة هو الحدث الأبرز ، فكأنما كانت معركة تحرير الكلية من نوع آخر ، إنها معركة عظيمة لا تقتصر على السلاح وحده ، بل على الإرادة ، و العقل ، و الروح ، إنها معركة كانت من أجل الكرامة ، و من أجل رفع راية العلم ، و الحق أمام جنح الظلام ، و الجهل الذي تمدد في شوارع عاصمتنا ، و الذي تحمله المليشيا على رأسها ، و هي تخنق كل أمل جميل عند كل مواطن ، وطلاب النهضة كانوا في الصفوف الأولى من المستنفرين ، لم يتأخروا بل ساروا بخطى ثابتة على الدرب ، يصاحبهم إيمانهم الراسخ ، و العلم الذي سيظل شعلةً لا تنطفئ مهما سعى الظلام لطمسها ، إنها معركة تحرير الكلية و التي كانت لهم أكبر من استعادة مكان إختطفته المليشيا ، و عاثت فيه الدمار ، فإن استعادة الكلية يعتبر إستعادة لحقهم في التعلم ، و في العيش الكريم و الحرية المطلقة ، و كل ذلك من أجل أن تكون كليتهم منارة للمعرفة بدلاً من أن تكون ساحة للهيمنة و الإستلاب .

و بينما كان الشوارع تهتز فرحاً بتحرير الخرطوم ، كانت أسوار الكلية في قلب كل طالب من طلابها ، فقد قادوا صراعاً قوياً من أجل تحريرها ، إنه الصراع الذي كان سلاحه القلم و العزيمة ، و قد تضافرت عنده كل الجهود ، لتطهير جدرانها من نجس المليشيا الآثمة التي لطختها من خلال تواجدهم القسري فيها ، فطلابها لم يكن لديهم خيار آخر ، فكانوا يداً واحدة ضد من حاولوا تدمير هويتهم وطمس مسيرتهم الأكاديمية .

و ها هم طلاب النهضة و هيئتها الإدارية و الأكاديمية اليوم ، يقفون في تلك اللحظة التي شهدوا فيها كيف تم تحرير كليتهم من دنس المليشيات ، و قهروا الظلام بما يملكونه من إيمان ورؤية ، فقد كان لتحرير الخرطوم قصة ، سنرويها لكم و للأجيال في قادمات الأيام ، و لكن كان لتحرير كلية النهضة قصة أخرى لها نوراً مشعاً ، و عملاقاً يبني ما أفسدته يد السوء ، ويستعيد للبلاد بهجتها بنور العلم و الكرامة .

طيلة هذه الفترة السوداء من عمر بلادنا ظلّت عميدة كلية النهضة ، د. إيمان بشير نور الدائم ، بشغفها وحبها للوطن ، تجوب العالم بكل عزيمة ، لا تعرف الكلل ولا الملل ، مسلحة بحلم كبير ، و عينها على المستقبل ، بألا تتوقف العملية التعليمية في كليتها مهما كانت التحديات ، فهي إمرأة حديدية و (مصفحة) ضد الأزمات ، و كانت ترى في كل خطوة تخطوها فرصة للنجاح ، و ليس لها وقت لإنتظار الفشل ، و رغم كل ما حدث ، فلم يهتز لها طرف ، فكانت تحمل الأمل في قلبها ، و كانت تعتبر أي دقيقة تمر ، هي فرصة سانحة لتوسيع آفاق المؤسسة التي ترعاها ، نجدها ، على مستوى العالم العربي والأفريقي بذلت جهداً كبيراً لتنفيذ رؤيتها ، فكانت تسعى لفتح فروعاً جديدة للكلية في تلك البلدان ، لتكون منارة علمية تسع لأكبر عدد من الطلاب وتفتح أمامهم آفاق المستقبل و لم تستسلم للفشل قط .

و مع بداية الحرب ، عندما كان الجميع يعيشون في حالة من التوهان و الفوضى و الضياع ، لم يكن المشهد في كلية النهضة مختلفاً فقد كانت الكلية التي تعد واحدة من أبرز منارات العلم في البلاد ، شاهدة على حجم الدمار و الخراب الذي طالها ، فجدرانها التي كانت تعج بالحيوية ، أصبحت محطمة ، و المرافق الأكاديمية التي كانت تضيء درب المعرفة ، أصبحت في حالة يرثى لها ، فالسرقات طالت الأجهزة والمعدات ، والتخريب الذي أصاب المختبرات و المعامل ، جعل من الكلية أشبه بكومة من الركام ، و رغم ذلك ، لم تكن هذه المشاهد تثني عميدة الكلية عن إصرارها ، بل كانت تشكل لها تحدياً إضافياً لتُثبت أن الكلية ستظل صامدة ، وأن العلم هو السلاح الذي لا يمكن المساس به ، و الذي لن يهزم أبداً وأن تكاثر حوله الجهلاء .

لقد حملت عميدة الكلية هم الوطن على عاتقها فهي (إمرأة دولة) و من قيادات البلاد التي نرجو منها الكثير ، فكان قرارها سريعاً وصارماً ، وهو إعفاء جميع المستنفرين من طلابها و معهم أبناء الشهداء من الرسوم الدراسية ، لم يكن هذا القرار مجرد خطوة إدارية ، بل كان إعلاناً قوياً بأن العلم سيكون درعاً لهم في وجه المأساة ، وأن الكلية ستظل حصناً منيعاً يحمي المعرفة و يضيء دروب الأجيال القادمة في ظل أحلك الظروف .

و بينما بلادنا ما زالت تلتقط أنفاسها ، و تتعافى من حرب ضروس ، أطلقت كلية النهضة مبادرة (لتمويل الطالب) بالتعاون مع بنك أمدرمان و بنك النيل ، وذلك عبر شراكات مبتكرة تهدف إلى تسهيل العملية الدراسية على الطلاب في هذه الظروف الاستثنائية ، و لقد كانت هذه المبادرة بمثابة طوق النجاة للطلاب الذين تكبدوا صعوبات مالية جراء الأوضاع الحالية ، و بهذه المبادرة استطاعت الكلية أن تثبّت أقدامها في مسيرة الإعمار ، لتكون جزءاً أصيلاً من مشروع بناء الوطن من جديد ، عبر تمويل يضمن للطلاب استكمال دراستهم بلا عوائق مالية .

لقد كانت المبادرة رسالة واضحة للجميع ، بأن بناء البلد لا يقتصر فقط على إعادة بناء المرافق و البنية التحتية ، بل يشمل أيضاً بناء العقول والطاقات البشرية ، فكانت الكلية تؤمن بأن هذا هو الطريق الحقيقي لإعادة الإعمار ، وأن الطالب الذي يملك العلم ، سيمتلك القدرة على تغيير الوطن نحو الأفضل .

فكلما تقدمت خطى التحرير ، إزداد الإيمان في نفوس جميع من حمل الهوية السودانية ، و أيقنوا بأن التحرير ليس مجرد انتهاء لمرحلة سوداء ، بل هو بداية لمرحلة جديدة تكون فيها القوة في العقل ، و العلم ، و بعزيمة شبابنا التي لا تقهر سيتم تحرير كامل أرض السودان ، ليس بقوة السلاح فقط ، بل بالعلم و القلم و إدارة الحوار البناء .

في الوقت الذي تتواصل فيه مسيرة الإعمار ، تقف كلية النهضة بكل فخر ، حاملة لواء الأمل ، مؤكدة أن العملية التعليمية ، رغم كل التحديات ، ستظل مستمرة ، وأن كل خطوة نحو التقدم هي خطوة نحو بناء وطن أفضل بإذن الله تعالى .

و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا