البربطنا بيهو الجيش
لا منصب و لا مرتب
لا مأكل و لا مشرب
عشق جوانا يترت
كلمات مزلزلة ما زالت ترن في آذاننا وكأننا نسمعها الآن ، فما أشد ارتباطنا بالأخ محمد علي ، الذي تجتمع عنده القوة و اللين ، شاعر الجيش الذي كان يمثل أقوى أعمدة التوجيه المعنوي بقوات الشعب المسلحة ، و كانت كلماته عبارة نسيج الروح الوطنية ، تلك الروح التي كانت تتنفسها قلوب المقاتلين في الجبهات ، فكانت أشعاره جزءاً من نضال وطني قديم متجدد ، فقد كان هدفه الأول والأخير هو رفع الروح المعنوية ليس للجيش فحسب ، و انما لكامل الشعب ، و توجيه الأنظار إلى ما هو أبعد من النظرة التلقائية التي تتخطى حاجز الصعوبات اليومية، إلى حب الوطن الذي يعمق جذوره في أفئدة الشعب .
محمد علي هو أحد شعراء الجيش الذين لا يشق لهم غبار ، و لكن للقدر كلمة و موقف ، فقد توفي إثر حادث سير أليم ، فخرج من زخم الحياة بدون أن يستأذن من كل الذين عشقوا الجيش من تأثير كلماته السحرية عليهم ، إذ يعتبر هذا الرجل رمز من رموز الأدب العسكري والشجاعة الوطنية ، الذي أضاءت كلماته جنبات المجامع العسكرية و ملأت قلوب الجنود بحب الوطن والفداء ، و كانت قصائده شبيهة بنغمات الرعد التي تحمل معها عزيمة القتال والصمود في وجه الأعداء و التحديات ، و لا شك أن موهبته الأدبية كانت حاضرة في جميع محافل الجيش و شعره محفوظ لمعظم أفراد الشعبالسوداني ، حيث جسدت كلماته روح الرجولة و الفحولة و القتال و الإصرار ، فكان متيماً بحب بالوطن و أهله .
لقد إستطاع محمد علي من خلال شعره أن ينقل تفاصيل الحياة العسكرية بكل ما فيها من شجاعة ، و تضحية ، و أمل في الانتصار على العدو ، و قد كانت قصائده تخاطب الروح ، و تلهب الحماسة في كل من يستمع له ، و أشعارة الطنانة كانت تعلي من شأن الانتماء للوطن ، فكان يجسد في أشعاره ملاحم و بطولات الجنود في ساحات المعارك ، و يخلد ذكرهم بأجمل الألفاظ ، كما كان يسهم بقوة في تحفيز الجنود و تعزيز معنوياتهم ، فكان له قدرة ساحرة في إظهار قيمة كل قطرة عرق أو دم تبذل في الميدان .
لقد كان يمثل القوة و الصمود في كلماته ، و لكن الآجال لم تمهلنا معه فجاء خبر نعيه علينا كالصاعقة ، و بطريقة مفاجئة ومؤلمة إثر حادث سير ، فوفاته كانت بمثابة صدمة للأمة التي كانت تتطلع دوماً إلى سماع كلماته التي لا تخلو من الحكمة والإلهام و القوة ، و لكن كل ما ترك سيظل خالداً في ذاكرة الوطن .
محمد علي يمثل صوتاً قوياً لمعاني الإرادة والعزيمة التي لا تنكسر و لا تنهزم ، و سيظل ما تركه من مخزون ادبي و شعري ، رصيد باق في ذاكرة الزمن نفتخر به و زينة لصفحات التاريخ العسكري و الثقافي للوطن .
رحم الله الشاعر محمد علي ، وأسكنه فسيح جناته، وجعل الفردوس الأعلى منزلاً له ، و نسأل الله أن يلهم أهله وزجميع من يعرف فضله الصبر الجميل و أن يمنحهم حسن العزاء في مصابهم الجلل ، و إنا لله و إنا إليه راجعون و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .
