العطاء فن و هواية ، كالرسم تماماً ، لا يتقنه إلا من كان يحمل في قلبه القدرة على الإبداع ، فالفنان يحتاج إلى رؤية دقيقة ، و ألوان مميزة ، و قبل ذلك يحتاج إلى موهبة تجسد إبداعه في لوحاته ، و كذلك نجد العطاء له أدواته و تجهيزاته ، أولها نقاء القلب و خروجه من الغرض و المرض ، و بعد ذلك صدق النية ، و تأييد ذلك بالافعال ، فالعطاء ليس مجرد إنفاق فقط ، بل هو فن له روح و جسد ، و يتطلب المداومة عليه و تطويره ، و كلما ارتقى الشخص في فن العطاء ، كلما كان تأثيره أكبر و أكثر نفعاً ، فهكذا تجسد دولة قطر هذه المعاني السامية ، ترسم بريشة فنان موهوب أجمل لوحة زاهية بما تقدمه للشعب السوداني ، فلم تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يمر به السودان من محنة منذ بداية الحرب ، و الكوارث الطبيعية التي ضربت البلاد ، فأصبحت ما بين مطرقة الحرب و سندان الكوارث ، فوقع الشعب السوداني في ظروف معقدة ، حيث أثبتت دولة قطر على مدار تاريخ طويل ، و عبر السنوات الماضية أنها شريك حقيقي في التخفيف من معاناة الشعب السوداني .
و هنا دخلت قطر لنجدة إخوانهم في السودان من باب الأخاء ، لا بدافع الشفقة ، و ذلك امتثالاً لما ورد في الحديث الشريف : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، و لقد أتت هذه المواقف من واقع إرتباط عميق ، و ليس ذلك وليد المواقف التي تكون مبنية على الفعل و رد الفعل ، بل هو تجسيد حي لقيم التراحم و المساندة ، و المسؤولية الواحبة تجاه الإنسانية بصورة عامة ، على الصعيد الخاص تأكيد بأننا جسد واحد لا يهدأ إذا تألم فيه أحد أعضائه ، و هكذا تكون القلوب الرحيمة لا يهدأ لها بال إلا بتخفيف المعاناة عن الآخرين ، فالعطاء في جوهره ليس تفضلاً ، بل هو فعل أخوي ينبثق من قلب مؤمن يستشعر مسؤولية التضامن في كل لحظة دون ان يطلب منه .
و في الوقت المناسب و عند الحاجة ، تدخلت دولة قطر عبر جسور جوية ممتدة ، تحمل بين أجنحتها رسالة الأخوة والإنسانية ، تجسيداً فعلياً لقيم التكافل و التراحم ، فقد حلقت طائرات الخير محملة بالخير إلى السودان ، لم يكن ذلك بدافع الشفقة ، بل كان من باب المسؤولية المشتركة تجاه شعبنا ، فقدمت المساعدات الإنسانية العاجلة و أظهرت قطر من خلال هذه الجهود روحاً أخويةً حقيقية في دعم إخوانهم في السودان ، فلم تقتصر المساعدات على تلبية الاحتياجات الأساسية من الغذاء و الإيواء ، و الصحة ، و التي كانت عبر صندوق قطر للتنمية ، و الهلال الأحمر القطري ، و جمعية قطر الخيرية .
و لكن ما يميز الدور القطري اليوم في السودان هو سرعة التفكير خارج الصندوق حسب ضرورات المرحلة ، فجدها بجانب المساعدات الإنسانية قد شرعت في دعم التنمية المستدامة ، بتوفير المعينات التي تسهل سبل كسب العيش ، و تؤدي الي التمكين الاقتصادي ، مستهدفين بذلك صغار المنتجين ، فالآن شرعت دولة قطر في المشاركة بشكل فعال في بناء قدرات الإنسان السوداني ، مما يعكس تطوراً نوعياً في المساعدة المقدمة ، فلم يعد دورها مقتصراً على إغاثة المتضررين فقط ، بل تخطى ذلك إلى تمكين المواطن السوداني من بناء مستقبله من خلال توفير برامج تدريبية ، مهارات مهنية ، و أدوات إنتاجية ، حسب الخطط الموضوعة لذلك ، و التي تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي ، و دعم الاقتصاد ، و على سبيل المثال و ليس الحصر ، فقد قدمت دولة قطر عبر الهلال الأحمر القطري معدات ، و آليات حديثة ، و تركتورات ، للجمعيات الزراعية بغرض تحسين الإنتاج كماً و نوعاً ، و هذا ما سيسهم في تحسين سبل كسب العيش في البلاد ، و خفض نسبة الفقر ، و تمكين الشباب السوداني في مجال ريادة الأعمال ، فدولة قطر تعد اليوم شريكاً أصيلاً في بناء المستقبل والتطلع نحو غدٍ أفضل للسودان .
و من هنا أرفع أرق آيات الشكر ، الى دولة قطر الشقيقة ، حكومةً ، و شعباً ، على مواقفهم النبيلة تجاهنا ، في فن العطاء الأخوي الذي لا يتبعه من ، أو أذى ، و يمتد شكري إلي صندوق قطر للتنمية ، و للهلال الأحمر القطري و لجمعية قطر الخيرية ، و لكل المانحين بصفتهم الإعتبارية أو الفردية من الشعب القطري ، و شكر خاص لمعالي السفير الشاب السيد إبراهيم السادة ، و لكل أعضاء بعثته الدبلوماسية ، و شكري يمتد للأخ الدكتور صلاح الدعاك رئيس الهلال الأحمر القطري (مكتب السودان) ، و لجميع طاقمه ، و قبل كل ذلك الشكر لله من قبل و من بعد أن منحنا إخوة أعزاء يحملون معنا همومنا ، و يساهمون في بناء مستقبل أفضل لأبنائنا ، قائم على الإنتاج و التنمية المستدامة .
و الله من وراء القصد و هو الهادي إلى سواء السبيل
