☘️🌹☘️
دخل الشيطان بيوتنا في العاصمة الخرطوم يوم أن أجبرتنا المليشيا على مغادرتها ، وفي ذلك اليوم أغلقنا الأبواب وتركنا خلفها أعمارنا ، وآمالنا ، وأحلامنا ، وحتى أشجارنا في الحيشان ، ورائحة القهوة في الصباح ، وضحكات صغارنا التي كانت تملأ الأماكن .
لقد خرجنا ونحن نظن أن الغياب لن يتجاوز أيام قليلة ، كما قيل لنا ، ولم نكن نعلم أننا سنترك الحياة كلها خلفنا ، لنواجه مصيراً قاتماً ، لم نكن نتخيل ذلك حتى في أقسى كوابيسنا أو أحلامنا ، ولم نكن نظن أننا سنعيش مثل هذه الظروف القاسية في يوم من الأيام .
بعد خروجنا قسرياً من العاصمة ، ذبلت الأشجار ، وماتت شجرة الليمون التي كنا نسقيها في كل صباح ، وجفت معها شجرة المانجو التي ظللنا نرعاها سنين عدداً ، ويبست أشجار الظل التي كانت تجمع الأسرة في عصريات الصيف ، وماتت جميع النباتات التي أحببناها ، كأنها حزنت لغيابنا ، عندما غابت عنها الأيدي التي ألفتها وكانت ترعاها .
لكن العجيب في الأمر ، والموجع إلى حد البكاء ، أن هنالك نباتات غريبة أخذت تنمو في مكانها ، إنه نبت شيطاني لا نعرف من أين جاء ، فتمدد في الحيشان كأشجار عاتية ، وتسلق اللبالبي منه أسوار البيوت ، وسد علينا جوانب الطرقات ، ونبت في الشوارع العامة ، وفي الأراضي التي هجرناها ، إنه نبت بلا رعاية ولا عناية ولا ماء ، تكاثر بدون إستئذان ، وكأن الخراب وجد لنفسه جذور تضرب في باطن الأرض .
هكذا كانت المليشيا ، نبتاً شيطانياً يقوده الشيطان الأكبر حميدتي ، وأخوه ، فكانت غريبة عن وجدان الأرض وأهلها ، لا تعرف للبيوت حرمة ، ولا للأشجار ذكرى ، ولا للإنسان قيمة ، جاءت كالنبات الطفيلي الذي نبت في بيوتنا وشوارعنا ، فهي لا تصنع الحياة من عندها ، ولكنها كانت تقتات على موت من حولها ، وتتمدد كلما انحسرت الحياة في المكان .
والأوجع أن نرى بيوتنا التي كانت تضج بالحياة وقد امتلأت بأشياء لا تشبهنا ، وأن نرى شوارعنا التي كانت تعرف خطانا وقد صارت غريبة حتى في عيوننا ، كل شيء فيها باهت ، الجدران ، والأبواب ، والأشجار ، وحتى الهواء ، الذي كان يحمل إلينا رائحة الأرض وعبير الفجر في صباحات السودان الجميلة ، لم يعد كما عهدناه .
ويا للحسرة ، فالأشجار التي زرعناها بالمحبة ماتت وهي تبكي فراقنا لها ، والنبت الذي جاء مع المليشيا نمى وترعرع، وكأن الأرض ابتليت بما لا يشبهها .
وعلى الرغم من أن هذا النبت قد طال وقوي عوده ، واحتل أحواش بيوتنا ، فإننا الآن نسعى إلى اجتثاثه من جذوره ، كما اجتثثنا المليشيا من عاصمتنا والجزيرة وكردفان وغيرها .
فبيوتنا لن تنسانا أبداً ، والأرض لن تخون الجذور الطيبة التي إعتادتها عليها ، والنبت الشيطاني ، مهما صار لونه أخضر ، يظل لعنة على المكان والزمان .
عُدنا لديارنا وبقوة ، وسنجتث النبت الشيطاني منها ، وسنزرع أشجارنا من جديد ، وسنروي الأرض بعرقنا ، كما حررناها بدمائنا ، ونملأ الحيشان بالضحكات .
أما المليشيا وجناحها السياسي الذي قوى عودها ، فسيبقيان في ذاكرة هذا الشعب شاهدين على زمن ماتت فيه الأشجار الطيبة ، كما ماتت المروءة في نفوس أعوان المليشيا الذين خانوا العهد والوعد مع الوطن ، بينما إزدهر الشوك والنبت الشيطاني في بيوتنا وشوارعنا .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
