☘️🌹☘️
السيد الدكتور حمدوك ، بعد التحيه والاحترام ، أود أن أقول لك : إن ليس كل ما يُقال لك في القاعات المغلقة يعكس ما يدور في الشارع ، وليس كل تصفيق سمعته ممن حولك هو دليل عافية على رضا الناس عنك ، لقد كنت أتمنى أن تخرج لمدة ثانية واحدة خارج تلك القاعات لتكتشف أن المسافة بينك وبين الناس أصبحت أوسع مما كنت تتصور .
في زيارتك الأخيرة إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ، والتي إلتقيت بالمسؤولين فيهما ، وجلست مع البرلمانيين ، وتحدثت عن السلام والإنتقال المدني وإعادة إعمار السودان ، وهي كلها قضايا لا يختلف حول أهميتها سودانيان ، ولكن يا دكتور حمدوك إن ما رأيته بأم عينك خلال هذه الزيارة ، يحمل رسالة مهمة تستحق وقفة صادقة منك مع نفسك ، فقد رأيت عدد السودانيين الذين خرجوا للإحتجاج ضدك ، وكان عددهم ، بحسب ما بدا أضعاف أضعاف من كانوا معك داخل القاعة ، فهؤلاء قد إختاروا أن يعبروا عن رفضهم لزيارتك بالطريقة التي رأيتها ، ويوصلون لك رسالة واضحة مضمونها أن هنالك أشياء كثيرة قد تغيرت ، وأن المسافة بينك وبين قطاعات واسعة من السودانيين لم تعد كما كانت من قبل .
هل سألت نفسك لماذا تكبد كل هؤلاء عناء الحضور ، وجاؤوا للإحتجاج عليك ؟ ، وهل فكرت في أولئك الذين حالت مشاغلهم أو ظروفهم دون الحضور ، رغم أنهم يحملون نفس الموقف ؟ ، وهل فكرت يوماً في الملايين الذين يتبنون الموقف ذاته داخل السودان ؟ .
دعني أقولها لك بوضوح : لقد أصبح من الصعب تجاهل حقيقة مهمة ، وهي أن قطاعات واسعة من الشعب السوداني لم تعد ترى مخرجاً للأزمة في الطريق الذي تسير فيه أنت وحاضنتك السياسية ، وليس بالضرورة ان يكون هؤلاء يرفضون السلام ، أو يقفون مع الحرب ، أو يعادون الديمقراطية ، ولكن لأن الحرب غيرت الكثير من المفاهيم في وجدان الناس ، وأعادت تشكيل مواقفهم من القوى السياسية التي عرفوها قبل إندلاعها ، فهنالك تجارب قاسية عاشها الناس ، وقناعات تبدلت ، وأحكام لم تعد كما كانت ، ولذلك فإن مخاطبة الناس اليوم بالخطاب السياسي نفسه الذي كان سائد قبل الحرب لن يكون كافي من حيث الفهم لما إستجد في مواقف الناس ، أو لمحاولة كسب ثقتهم من جديد .
يا دكتور حمدوك ، عليك أن تدرك حقيقة مهمة للغاية وهي أن السودان الذي ستعود إليه ، إن عدت ، ليس هو ذلك السودان الذي غادرته . فإن الناس الذين دفعوا أثمان الحرب من أرواحهم وأمنهم وبيوتهم وأرزاقهم ، لم يعودوا ينظرون إلى السياسة من نوافذ الفنادق أو من داخل قاعات المؤتمرات ، فهؤلاء يا دكتور عاشوا التجربة بكل قسوتها ، وشاهدوا مآسيها عن قرب ، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمن وقف معهم ، ومن خذلهم ، ومن اكتفى بمخاطبتهم من على البعد دون أن يلامس واقع معاناتهم .
ليس لدي موقف شخصي ضدك ، ولا أرى في الإختلاف معك سبب للنيل منك ، ولكن من باب المصارحة ، فالامر يقتضي أن أقول لك بكل شفافية إن جولتك في الولايات المتحدة وكندا ربما أتاحت لك فرصة لرؤية جانب من الحقيقة التي لن تصل إليك كاملة عبر أقوال المحيطين بك .
أما أسطوانة (فزاعة الكيزان) ، فقد أصبحت أسطوانة مشروخة ، استُهلكت أكثر مما ينبغي ، ولم تعد صالحة لتفسير كل خلاف أو تبرير لكل موقف تحصل ، فقد تجد لها مكان في خطابك السياسي أمام المسؤولين الغربيين ، ولكنها لن تكون كجواب مقنع لكل سوداني يعترض على مواقفك أو يرفض مشروعك السياسي الذي تقوم به الآن ، فليس كل من يختلف معك هو كوز ، وليس كل من يرفض مشروعك عدو للديمقراطية ، فإن اختزال الناس في هذه الثنائية لا يفسر الواقع يا دكتور ، ولا يساعدك على فهم التحولات التي طرأت على مواقف أغلب السودانيين ، ولكن قد يعفيك بوصفك سياسي ، من مواجهة بعض الأسئلة المحرجة التي تستحق إجابات صريحة، بعيد عن الشعارات والتصنيفات الجاهزة .
أرجو أن تأتي إلى السودان ولو لمدة يوم واحد ، وأن تسمع من الناس من دون وسطاء ، وأن تنظر في عيون الذين عاشوا الحرب ، قبل أن تتحدث بإسمهم أو تحاول ب(الوهم) أن ترسم مستقبلهم .
فالسياسي الناجح هو ليس الذي يقنع العالم بأنه يمثل السودانيين ، ولكنه هو من يستطيع أن يقنع السودانيين بأنه يسمع أنينهم ، ويحترم إرادتهم ويحقق ما يريدون .
إنا متأكد أن تظاهرات كندا قد أزعجتك جداً ، فأرجو أن تجعلها فرصة للمراجعة ، وألا تكون مناسبة للغضب ، فما سمعته هناك هو صورة مصغرة جداً وتعتبر عينة مجهرية مما ينتظرك من مواقف داخل السودان .
التاريخ لا يحاسبك كسياسي على الذي كنت تنوي فعله ، ولكنه يرصد لك ما إنتهت إليه خياراتك الأخيرة ، وهو أيضاً يقيس لك قدرتك على الإعتراف بالخطأ عندما يتغير واقع الأرض التي كنت تقف عليها إن أردت ذلك .
أرجو أن تكون قد سمعت صوت هؤلاء يا دكتور حمدوك ، والأهم من ذلك هل أنت مستعد للإصغاء ، حتى لو كان ما ستسمعه مخالفاً لكل ما يقوله لك المحيطون بك ؟ .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
