31.2 C
Khartoum
الإثنين, أغسطس 24, 2026

همس الحروف .. ملتقى المحليات ، منصة مهمة لإصلاح العمل الخدمي وتجاوز معوقاته .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

الملتقيات الدورية للمدراء التنفيذيين لمحليات الولاية الشمالية تتجاوز فكرتها الإجتماعات الإدارية التقليدية ، وتعتبر ممارسة واعية ، ومهمة تتيح لحكومة الولاية الإقتراب من تفاصيل العمل المحلي ، والإستماع إلى مشاكل العمل من مصدره المباشرة ، والبحث عن معالجات مشتركة للقضايا التي تؤثر في حياة المواطنين ومستوى الخدمات المقدمة لهم .

إن هذا النهج الذي إتبعته حكومة الولاية الشمالية يحمل قيمة خاصة في إدارة الشأن العام ، فالمشكلات التي تواجه المحليات في أغلب الحالات لا تنشأ من داخل حدود المحلية ، فقد تتداخل أسبابها مع إختصاصات بعض الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى ، الأمر الذي يجعل معالجتها بحاجة إلى قدر من التنسيق والحوار ، وإلى جانب ذلك لا بد من وضوح المسؤوليات وتحديد المهام ، ومن هنا تأتي أهمية وجود مساحة واضحة تلتقي فيها المستويات التنفيذية المختلفة لمراجعة الأداء العام ، ويتم فيها تحديد مواطن الخلل ، حتى يمكن
الإتفاق على ما يمكن القيام به بصورة عملية ، بما يسهم في تحسين الأداء ، والتنسيق بين مختلف أجهزة الولاية .

ومن القضايا التي تكشف بوضوح حجم المشاكل والتحديات التي تواجه المحليات ، أهمها قضية النفايات وإصحاح البيئة ، فالمشكلة لا ترتبط فقط بقدرة الأجهزة المحلية على جمع النفايات والتخلص منها ، وذلك لأن النظافة تعتبر مسؤولية مشتركة تقوم على مثلث يضم المحليات والمواطن ، والمجتمع ، وأي قصور من أي جهة من هذه الجهات قد ينعكس سلباً على مستوى الخدمة ويؤدي إلى تفاقم المشكلة ، كما أن ضعف الوعي البيئي ، والسلوكيات غير المنضبطة ، وعدم الإلتزام بالأماكن المخصصة للنفايات ، إلى جانب ضعف تطبيق اللوائح ، يعتبر من العوامل تجعل معالجة القضية بحاجة إلى مسار متكامل يجمع بين التوعية والتنظيم والرقابة وإنفاذ القانون .

وهنا تأتي أهمية الجمع بين الجانب الخدمي والجانب السلوكي للمجتمع ، فالحملات النظافة وحدها لا تكفي إذا لم تصاحبها توعية مستمرة ، والقوانين وحدها لا تحقق أهدافها ما لم يتعرف المواطن مضمونها ، ولا بد من توفر البدائل المناسبة أمامه ، كما أن تحسين البيئة الحضرية يحتاج إلى إستمرارية في العمل ، وليس إلى حملات موسمية ترتبط بمناسبة أو ظرف معين .

وتكتسب مسألة تداخل الإختصاصات أهمية كبيرة ، لأن وضوح المسؤوليات يمثل أحد شروط نجاح الإدارة في أي مكان ، فعندما تتقاطع الصلاحيات أو تتعدد الجهات المعنية بالقضية الواحدة دون تنسيق واضح ، قد تتأخر المعالجة ويتحول الخلاف الإداري إلى مشكلة خدمية يدفع المواطن ثمنها بدون مقابل ، ولذلك فإن فتح هذا الملف بصورة مباشرة داخل ملتقى يجمع التنفيذيين يعتبر خطوة إيجابية نحو إزالة العوائق والتشوهات الإدارية ، ولا بد من تحديد الأدوار ، وبناء علاقة أكثر إنسيابية بين المحليات والوزارات .

الأهم في هذه التجربة أن تتحول مخرجات الملتقيات من توصيات مكتوبة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والمتابعة ،

فإن إنتظام هذه الملتقيات يعكس اتجاهاً صحياً نحو مراجعة الأداء من داخل الجهاز التنفيذي نفسه ، ويمنح المحليات فرصة لطرح قضاياها بعيداً عن المعالجات المنفردة ، كما أنه يفتح الباب أمام بناء ثقافة إدارية تقوم على الإعتراف بوجود المشكلة ، ومناقشة أسبابها ، وتبادل الخبرات ، والبحث عن حلول واقعية تتناسب مع ظروف كل محلية .

الولاية الشمالية ، بحكم إتساع رقعتها وتنوع محلياتها وتفاوت إحتياجات مناطقها ، تحتاج إلى مثل هذا النهج الذي يجعل التنسيق جزء أصيل من مفهوم إدارة الحكم المحلي .

إن معالجة قضايا المحليات ، في جوهرها ، ترتبط بحق المواطن ، وتتمثل في أن يعيش في بيئة نظيفة وآمنة ومستقرة ، تتوفر فيها الخدمات الأساسية ، وتُدار بكفاءة ورشد ، بما يضمن الإستجابة الفاعلة لإحتياجاته وتطلعاته ، ومن هنا ، يمكن النظر إلى ملتقيات المدراء التنفيذيين بإعتبارها إحدى الأدوات المهمة والفاعلة التي تساعد حكومة الولاية على تصحيح مسار العمل ، والحد من التقاطعات ، ورفع مستوى التنسيق والتكامل بين مؤسسات الولاية ، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطن .

والتحدي الحقيقي أمام هذه التجربة هو المحافظة على إستمراريتها وتطويرها ، حتى تصبح المراجعة الدورية للأداء جزء أساسي من ثقافة الحكم المحلي ، ونأمل أن تتحول توصيات هذه الملتقيات إلى برامج عمل واضحة ، تتبعها آليات محددة للتنفيذ والمتابعة والمراجعة ، بما يسهم في ترسيخ الثقة بين المواطن وحكومته ، وتعزيز الشراكة بينهما في تحقيق التنمية وتحسين جودة الخدمات .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا