☘️🌹☘️
مولانا قطبي حيدر حسن ، رئيس النيابة العامة بمحلية مروي ، واحد من أولئك الرجال الذين يؤدون ما عليهم من واجب في دوائر العمل بكل مهنية وتفرد ، إلا أنه من القلة الذين يطبعون في كل مكان عملوا فيه شيئاً من أرواحهم ، فتشعر الأمكنة بفقدهم قبل أن يصلها خطاب نقلهم إلى جهة أخرى .
في كرنفال ضخم ، تودع محلية مروي مولانا قطبي ، الذي عرفه الناس من خلال عمله ، بحنكته وحكمته ، وتعامله الذي تخطّى حدود المهنية إلى رحاب الإنسانية ، فكان زاخراً بكل ما تتطلبه المواقف ، ومشبعاً بحكمة القدماء ومهنية المعاصرين .
فتقاطعت الدموع في وداعه ، وهو يغادر مروي متوجهاً إلى دائرة الفحص بولاية سنار ، حاملاً معه قلوب أهل مروي ، وتاركاً قلبه وروحه في حواري المدينة وأزقتها .
فهنيئاً لسنار برجل يحمل تجربة مهنية راسخة ، وسمعة طيبة صنعتها سنوات من العمل الهادئ ، والعادل ، والشفاف ، الممزوج بحسن التعامل مع الناس .
سيغادر مولانا قطبي مدينة مروي ، لكنه سيبقى في ذاكرة أهلها بسيرتة الطيبة ، كوجه من وجوه الوفاء والمهنية وحسن الخلق .
لم يكن قطبي وكيل نيابة كغيره يؤدي واجبه وفق النصوص والإجراءات القانونية ، لأنه كان يغوص بإنسانيته في تفاصيل حياة الناس ، حتى أصبح قريباً من همومهم ، ولا سيما أنه كان رجلاً واسع الصدر ، يُحسن الاستماع إليهم ، وكان حريصاً على أن تصل العدالة إلى غايتها ، دون أن تتحول الإجراءات إلى حائط صد يفصل المواطن عن حقه .
ولهذا إكتسب إحترام الناس ، ولم يكن ذلك بحكم موقعه ، فالمواقع دائماً قابلة للتغيير في أي لحظة ، وتلك هي سنة الحياة ، ولكن كان ذلك من واقع معزته عندهم نتاج ما صنعه في نفوسهم من محبة ، وتقدير ، وبما خلفه من سيرة طيبة ستظل حاضرة في ذاكرة مروي .
كان مصلحاً بطبيعته قبل أن يكون رجلَ نيابة ، لأنه كان يعرف أن كثيراً من الخصومات تحتاج فقط إلى كلمة تزيل الغبن ، وتهدئ الأعصاب ، وترد النفوس إلى فطرتها ، وخصوصاً أن وظيفة القانون لا تنحصر في العقوبة وحدها ، فهناك مساحة واسعة للإصلاح ، وحفظ الحقوق ، وصيانة المجتمع من إتساع دائرة النزاع .
ومن هذا الباب جاءت القيمة المضافة لمولانا قطبي ، وخصوصاً أنه يعيش وسط مجتمع يعرف بعضه بعضاً ، فهو مجتمع حيوي ، ويتأثر بالمواقف الإنسانية ، ويقبل الصلح متى ما عُرض عليه بصورة تزيل الأحقاد ، وتضمن الحقوق ، وتحفظ للناس كرامتهم .
مروي بكل تأكيد فقدت رجل بقامة وطن ، وفقدت أب روحي عزيز عند قومه وهذا الفقد ليس فقداً وظيفياً فقط ، لان الرجل إعتادت عليه الوجوه ، وعرفته الأسر ، وألفه زملاؤه ، فقد وجد فيه الكثيرون إنساناً يستطيعون أن يتحدثوا إليه بكل ثقة وإحترام ، وهذه القيمة الإنسانية لا تُكتب في السيرة الوظيفية ، ولا تظهر في التقارير الرسمية ، ولكنها تظهر بوضوح عندما يغادر صاحبها المكان .
وفي المقابل هنيئاً لدائرة الفحص بولاية سنار ، لأنها بهذا الرجل تكون قد كسبت قيمة مضافة حقيقية ، فهي ستستقبل رجل يحمل معرفة عملية واسعة ، وتجربة ميدانية قريبة من قضايا الناس ، ونظرة تتجاوز حدود الملفات إلى فهم ظروفها وأبعادها الإنسانية ، وهذا ما يحتاجه العمل العدلي في كثير من الأحيان ، فهو رجل من مزيج نادر من الناس الذين يعرفون القانون ، وفي نفس الوقت يحسنون تقدير المواقف ، ويمتلكون نزاهة الضمير ، والقدرة على التعامل مع الناس بدون أن يفقد رجل القانون هيبته أو وقاره أو إنسانيته .
سيغادر قطبي مروي ، ولكنه سيظل موجوداً في ذاكرة الناس ، وزملائه ، وفي أحاديث المدينة ، وفي مواقف كثيرة ربما لا يعلم هو نفسه مقدار ما تركه في أصحابها من محبة له ، وهذه هي بعض صور النجاح التي لا تمنحها الوظيفة ولا تنتزعها منه حركة التنقلات .
نقول لمولانا قطبي حيدر إن مروي تودعك اليوم وهي ممتنة لما قدمت ، حزينة لفقد رجل عرفته عن قرب ، ومطمئنة إلى أن المكان الجديد في الذي سينتقل إليه قد كسب رجلاً يعرف معنى المسؤولية ويحمل في داخله قدراً كبيراً من المروءة والإنسانية .
نسأل الله أن يفتح له في موقعه الجديد أبواب التوفيق والسداد ، وأن يجعل إنتقاله إضافة حقيقية للعمل ، وأن يعوض أهل مروي عن غيابه برجل يحمل شيئاً من ذلك الحضور الذي تركه بينهم .
أما مولانا قطبي ، فسيظل واحداً من أولئك الذين تثبت الأيام أن قيمة الإنسان لا تحددها الوظيفة التي يشغلها ، بقدر ما تحددها البصمة التي يتركها إذا غادرها .
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
