في نظري لا ينبغي أن يكون تغيير المفاهيم مرتبطا بالظروف الراهنة او الأزمات التي نمر بها البلاد فقط نعم نحن أمام تحولات وطنية كبيرة ومن حق الأجيال أن تعرف ما جرى لكن من واجبنا أيضا أن نستصحب الماضي قبل الكتابة عن تغيير المفاهيم المرتبط بالحاضر نعم الماضي بكل ما فيه من انتصارات وإخفاقات ومن مواقف مضيئة وأخرى تركت اثارا سالبة حتى تكون الذاكرة الوطنية درسا للأجيال القادمة لا مادة لإعادة إنتاج الأخطاء نفسها التاريخ الذي نريده لأبنائنا يجب أن يكون تاريخا بلا تزوير يحترم عقولهم ويضع أمامهم الوقائع كما حدثت ثم يترك لهم حق التحليل والاستنتاج فليس من الحكمة أن نحول التاريخ إلى أناشيد وشعارات أو أن نغرس في وجدان الأجيال روايات تتعارض مع الحقائق التي يعرفها المؤرخون والوثائق
اذا اخذنا تجربة الدولة المهدية ومعركة أم درمان فالمناهج التاريخية تتناول هزيمة قوات الخليفة عبد الله التعايشي أمام القوات الغازية في سياق عسكري واضح من حيث الفارق الكبير في التسليح والعتاد والتنظيم العسكري هذه حقيقة تاريخية لا تنتقص من شجاعة المقاتلين ولا من التضحيات التي قدموها لكنها في الوقت ذاته لا ينبغي أن تستبدل برواية شعرية توحي بأن المعركة كانت انتصارا عسكريا حاسما على القوات الغازية.( شتتوا كتل الغزاة الباغية)
نحن في حاجة إلى الفصل بين تقدير البطولة والشجاعة وبين قراءة النتائج العسكرية كما وقعت على الأرض فالشجاعة لا تعني بالضرورة الانتصار كما أن التدين لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن التخطيط والتنظيم والتسليح ومن هنا نقول لابد مراجعة بعض الأغنيات والأشعار والمفاهيم المتوارثة وهنا لا اعني محاربة التراث وإنما تعني التعامل معه بوعي نقدي. فالأغنية والشعر جزء من الذاكرة، لكنهما ليسا كتابا في الجغرافيا أو التاريخ وعندما تتحدث بعض الأغنيات عن السودان باعتباره «مليون ميل مربع»( حلاة بلدي مساحتها مليول ميل) فإننا أمام تعبير أدبي ارتبط بمرحلة تاريخية وليس حقيقة جغرافية قائمة اليوم وكذلك فإن بعض النصوص التي تمجد التسامح والكرم والشهامة يمكن أن تكون قيما نبيلة في سياقها الاجتماعي لكنها لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة إلى التساهل مع اختراق الحدود أو دخول البلاد خارج الأطر القانونية فالكرم شيء، وسيادة الدولة شيء آخر والتسامح قيمة لكنه لا يعني إلغاء القانون.( حتى الطير يجيها جعان من اطراف تقيها شبع)
نحن اليوم بحاجة إلى إعادة قراءة تاريخنا ومناهجنا بعقل هادئ ابتداءا بمراجعة المناهج التعليمية والذاكرة التاريخية عبر لجان علمية متخصصة تضم المؤرخين والتربويين والخبراء وأن تكون بعيدة عن التوظيف السياسي فالمناهج ملك للأجيال وليست ملكا لحكومة أو حزب أو تيار.
لقد مرت بلادنا بتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عديدة ورافق كل مرحلة منها قدر من النجاح والفشل وهناك مؤسسات ومشروعات وطنية تعرضت للضعف أو التراجع، مثل الخدمة المدنية وشركات الطيران ومشروع الجزيرة وغيرها ومن حق الأجيال أن تعرف كيف حدث ذلك ومن حق الباحثين أن يدرسوا الأسباب والقرارات والسياسات التي قادت إلى هذه النتائج بعيدا عن التبرئة أو التشهير أو تصفية الحسابات
المهم ألا ندفن الأخطاء تحت الرماد لأن الخطأ الذي لا ندرسه يتحول إلى خطأ قابل للتكرار علينا أن نترك للأجيال القادمة ذاكرة وطنية صادقة وواضحة؛ لا ذاكرة مصنوعة على مقاس المنتصر ولا رواية يكتبها الغضب ولا تاريخا يُعاد تشكيله كلما تغيرت موازين السياسة فالتاريخ الذي لا يخشى الحقيقة هو وحده القادر على صناعة أجيال تتعلم من الماضي بدلا من أن تعيد إنتاجه.
