30.9 C
Khartoum
الأربعاء, أغسطس 5, 2026

همس الحروف .. محلية دنقلا تفتح باب الشراكة مع المواطن .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

بالأرقام والوقائع فتحت محلية دنقلا الباب للنقاش حول ما تحقق وما لم يتحقق من أدائها ، لذلك فإن المؤتمر الصحفي الذي عقدته لإستعراض إنجازاتها خلال النصف الأول من عام 2026م يمثل خطوة شجاعة تستحق الإشادة والتقدير ، إذ يعكس ذلك توجهها نحو ترسيخ ثقافة الشفافية ، وإتاحة المعلومات للرأي العام ، وهذه الثقافة تحتاج إليها كل مؤسسات الحكم المحلي اليوم أكثر من أي وقت مضى ، لما لها من دور في تعزيز الثقة ، وتأكيد مبدأ المساءلة ، وتحسين جودة الأداء .

السيد المدير التنفيذي لمحلية دنقلا الدكتور الشاب مكاوي الخير الوقيع ، إستعرض إنجازات المحلية، كاشفاً بذلك عن حجم العمل الذي تم إنجازه في ملفات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة ، فإدخال (500) أسرة تحت مظلة التأمين الصحي ، وتمليك (150) أسرة مشروعات صغيرة ، وتنفيذ مشروع الزواج الجماعي الذي إستفاد منه (523) شاباً وشابة في (14) قرية ، كلها مؤشرات تدل على اهتمام المحلية بالبعد الاجتماعي إلى جانب الملفات الخدمية والتنموية .

وأيضاً في القطاع الزراعي ، سجلت المحلية رقماً لافتاً بزراعة أكثر من (72) ألف فدان من القمح لأول مرة في تاريخها ، مع التوسع في إستخدام الطاقة الشمسية عبر ثلاثة مشروعات إنتاجية كبرى ، وهي خطوات تظهر توجهاً نحو زيادة فرص الإنتاج وخفض تكلفة التشغيل والإستفادة من مصادر الطاقة البديلة ، في وقت أصبحت فيه الطاقة أحد أكبر التحديات أمام التنمية .

كما أن بلوغ نسبة تحصيل الإيرادات (97%) يعتبر مؤشر ممتاز على تحسن الأداء المالي ، وهو نجاح لا يقتصر على زيادة الموارد والإيرادات فقط ، لأن هذا الأمر يفرض مسؤولية أكبر في توظيف هذه الإيرادات بصورة تنعكس على جودة الخدمات التي يتلقاها المواطن في التعليم ، والصحة ، والطرق ، والنظافة ، والمياه ، وغيرها من الخدمات الأساسية .

ورغم هذا التقدم ، فإن النجاح الحقيقي لا بد أن يتجاوز حجم الإيرادات ليكون ظاهراً في مقدار الرضا الذي يشعر به المواطن ، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة بحاجة إلى تطوير العلاقة بين المحلية والممولين ، بإعتبارهم هم الشريك الأساسي في عملية التنمية ، وليس دافعي رسوم فقط .

ومن باب العشم ، وليس النقد ، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء جسور تواصل أكثر فاعلية مع دافعي الرسوم عبر لقاءات دورية وورش توعوية تشرح فلسفة الرسوم المحلية ، وكيفية إحتسابها، وأوجه صرفها ، وأثرها المباشر على الخدمات ، فكلما إمتلك المواطن المعلومة ، إزداد إقتناعه بأهمية المساهمة في تمويل الخدمات العامة .

ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً أن يتم فصل القطاعات الإقتصادية عند مناقشة الرسوم ، بحيث يجلس ممثلو كل قطاع من المستهدفين بالتحصيل مع السلطات المحلية لمراجعة الرسوم الخاصة بهم ، وتحديد سقوف عادلة تتناسب مع طبيعة النشاط والقدرة على السداد ، لأن إشراك أصحاب المصلحة في صناعة القرار المالي الذي يتعلق بالرسوم سيخلق شعور بالمسؤولية المشتركة ، وسيحول مفهوم الرسوم من أمر مفروض إلى إلتزام يشارك الجميع في تحديده .

إن توسيع القاعدة الممولة ، عبر إستحداث فئات جديدة لا تزال خارج دائرة التحصيل ، يمثل المدخل الحقيقي لزيادة إيرادات المحلية ، فقد أثبتت التجارب الإدارية الناجحة أن التوسع الأفقي في قاعدة الممولين ، هو أكثر جدوى وإستدامة من زيادة التحصيل الرأسي على الممولين الحاليين ، فكلما إرتفع عدد دافعي الرسوم ، مع تخفيض قيمتها على النشاط الواحد ، سيحقق قدر أكبر من الإستقرار في السداد ، وسينمي الإيرادات بصورة تلقائية ومستمرة ، وكما سيخفض الضغوط على الممولين ، وستتراجع فرص التهرب والتحايل .

فالشيء الذي لا يقل أهمية عن ذلك ، هو الإستثمار في العنصر البشري ، من خلال رفع كفاءة المتحصلين عبر التدريب المستمر ، وورش العمل ، على ألا يقتصر التدريب على الجوانب المالية والفنية في أساليب التحصيل ، فلا بد أن يمتد إلى تنمية مهارات التواصل وحسن التعامل مع الجمهور ، فالمتحصل يمثل الواجهة المشرقة التي تعكس صورة الحكومة أمام المواطن ، فأسلوب المتحصل في التعامل قد يكون عاملاً مباشراً في رفع الثقة بين المواطن والحكومة أو في إضعافها .

ومن المقترحات العملية أيضاً نرجو إتاحة خيار تقسيط الرسوم على ثلاث أو أربع دفعات للحالات التي يصعب عليها السداد الفوري ، فهذا الإجراء سيخفف الإلتزام على أصحاب الأنشطة الصغيرة ، وسيزيد في نفس الوقت من نسب جدية السداد ، وسيقلل من حالات التعثر ، ويضمن تدفق الإيرادات بصورة منتظمة .

قدمت محلية دنقلا نموذجاً إيجابياً في المكاشفة والتعريف عن الأداء ، وهي خطوة تستحق من الجميع الإشادة والتقدير ، وينبغي أن تستمر وتتحول إلى نهج ثابت ، لأن التنمية الحقيقية تقوم على الثقة المتبادلة بين الحكومة المحلية والمواطنين .

لا شك أن الإنجازات التي حققتها محلية دنقلا خلال النصف الأول من العام 2026م تستحق الوقوف عندها ، وتوجيه صوت شكر للقائمين على أمرها ، ورغم هذا الإنجاز الضخم ، إلا أن طموحات المرحلة المقبلة تظل هي الأكبر والأوسع ، وما بين ما تحقق منها وما يُؤمل بلوغه من أهداف ، تظهر الحاجة الملحة إلى ترسيخ قيم الشفافية ، وتأطير الشراكة مع المواطن ، وذلك بالإستماع إلى أصحاب المصلحة وإشراكهم في صناعة القرار ، فبهذا النهج ستتوفر الضمانات الحقيقية لإستدامة النجاح الذي يُثبت الثقة بين المحلية والجمهور المستهدف بدفع الرسوم ، ومن خلال هذا الأداء من الممكن أن تتحول محلية دنقلا إلى نموذج متقدم في الإدارة المحلية والتنمية المستدامة .

الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا