36.3 C
Khartoum
السبت, أغسطس 1, 2026

همس الحروف .. وسام الأخاء من الطبقة الأولى ، للأخ فتحي محمد عبد الرحيم .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

حد☘️🌹☘️

أكتب اليوم عن رحلة عمل قد لا أتمكن من حساب مدتها بعدد السنوات التي إستغرقتها وخصوصاً أنني لم أكن شاهد على أغلبها ، ولكن ما أدركته منها كان كافياً أن أقيم صاحب الرحلة ، ولكن أصبح من الصعوبة بمكان أن أجد أداة قياس مناسبة لمثل هذه المواقف التي تنقش نفسها في قلوب الناس ، وذواكرهم .

ونحن اليوم نقف على عتبة ختام هذه الرحلة التي إمتدت مدتها واحد وثلاثين عاماً وثمانية أشهر وسبعة أيام في رحاب أمانة حكومة الولاية الشمالية .

قبل فترة ليست بالطويلة ، ودع موظفو مدينة دنقلا عامة ، وموظفو أمانة حكومة الولاية الشمالية على وجه الخصوص ، واحداً من خيرة الموظفين ، بعد أن أكمل سنوات خدمته بكل وفاء وإخلاص ، غير أن التقاعد لم يكن نهاية حضوره ، فما زالت سيرته حاضرة في كل تفاصيل المكان ، حتى أصبح جزءاً من روح أروقة الأمانة العامة ، يذكره كل ركن فيها ، وتشهد له المواقف بذلك قبل الأشخاص .

إنه الأخ العزيز فتحي محمد عبد الرحيم الشهير ب(فتحي كمبيوتر) ، إبن أرض السمر ، وقد كانت بداية نشأته في مدينة جوبا ، حيث بدأ رحلته مع مقاعد الدراسة الأولى ، متنقلًا بين مدارس جنوب السودان وشماله آنذاك قبل الإنفصال ، وهذا كان قبيل أن يشد الرحال إلى جمهورية مصر العربية ، حيث تلقى علوم الحاسوب في زمن كانت التقنية فيه طريقاً وعراً لا يسلكه إلا أصحاب الرؤية ، وعاد يحمل علماً وحلماً ، ثم حمل معهما هدفاً أكبر ، وهو أن يجعل للمعلومة مكان ، وللتقنية دور ، وللوطن ذاكرة تحفظها .

في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 1994، بدأ مشواره الوظيفي بالولاية الشمالية ، ومنذ ذلك اليوم لم يكن العمل بالنسبة إليه وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام ، لأنه رجل يحمل رسالة كان يعيش تفاصيلها في كل صباح يوم ، فلقد عرفه الجميع بأنه هو أول الواصلين إلى العمل ، حتى أصبح حضوره المبكر عادة لا ينافسه فيها إلا القليل ، ويرى أن في إحترامه للوقت هو إحترام للناس وللوطن ، فكان يسبق الموعد بنصف ساعة أو أكثر ، ويغادر بعد أن يطمئن على ما ينبغي إنجازه ، قد أُنجز بالكمال .

ولم تكن ساعات العمل عنده تُحسب بالساعة ، فقد شهدت له الأيام أنه كان يعمل أحياناً اثنتين وسبعين ساعة متواصلة عندما تستدعي المصلحة العامة ذلك ، دون أي كلام منه أو ململة ، أو إنتظار لثناء من أحد ، وقد كانت راحته الحقيقية أن يرى العمل مكتملاً ، وأن تسير المصالح العامة كما ينبغي لها أن تسير ، ونحن نشهد له بذلك خلال فترتنا الوجيزة التي عاشرناه فيها .

وتدرج في المسؤوليات من مسؤول المكتب السري الإلكتروني إلى مدير الإدارة العامة للحاسوب والحكومة الإلكترونية ، ثم مديراً عاماً لمركز المعلومات ، الذي إرتبط إسمه باسمه منذ تأسيسه عام 2015 ، ولم يكن مديراً يدير من خلف مكتبه ، لأنه كان من المؤسسين الأوائل الذين وضعوا اللبنات الأساسية ، وأرسوا الأنظمة ، وأسهموا في بناء مركز المعلومات حتى أصبح عنواناً صخماً للتطوير والتحول الرقمي بالولاية .

وتشهد إنجازاته على ذلك ، فقد قاد إعداد قانون مركز المعلومات حتى إجازته ، وأسهم في تطوير البنية المؤسسية والتقنية ، وأشرف على تنفيذ مشاريع الربط الشبكي القومي والربط الداخلي للوزارات والمحليات ، وتصميم بوابة حكومة الولاية الإلكترونية ، والتهيئة للأرشفة الإلكترونية ، وتطوير الأنظمة وإستقطاب التجهيزات التقنية .

ولم تكن تلك الإنجازات وليدة المصادفة ، فهي ثمرة علم وخبرة عززهما بالتدريب المستمر داخل السودان وخارجه ، فقد عرفه زملاؤه بحسن الخلق ، وبشاشة الوجه ، وحب خدمة الناس ، فكان قريباً من قلوب الجميع ، وكريماً في تعامله مع الكل بدون فرز ، وحاضراً بالعون والمشورة .

وكما أن مسجد الأمانة شاهد على جانب آخر من سيرته ، إذ كان من رواد الصف الأول ، المحافظين على الصلاة فيه ، فجمع بين الأمانة في العمل والإستقامة في العبادة وحسن الخلق .

وكان إخلاصه للعمل سمة ملازمة له ، فلم يعرف الإجازات إلا 5 مرات طيلة العقود التي قضاها في وظيفته ، وذلك حتى في أقسى ظروفه الأسرية ، والشخصية ظل يؤدي واجبه أولاً ، في صورة جسدت معنى الالتزام الذي عُرف به .

لقد ترجل الأخ فتحي كمبيوتر عن صهوة جواد مركز المعلومات ، ولكنه ترك سيرة عطرة من الإخلاص والتفاني والانضباط ، تؤكد أن القيم الراسخة تصنع الرجال ، وتُبقى بصمتهم حاضرة بعد رحيلهم عن المواقع التي كانوا يشغلونها .

ونحن في هذا اليوم نكرم الأستاذ فتحي محمد عبد الرحيم تكريماً إفتراضياً يليق بإنسانيته ومهنيته المشهود له بهما ، وإننا لا نقدم له شهادة تقدير ونكتفي بذلك ، ولكننا نهديه ما إستحقه بمحبة الناس له ونمنحه وسام الأخاء من الطبقة الأولى ، ووسام المحبة من ذات الطبقة .

فهنيئا لك أخي العزيز وقد أكملت رحلتك الوظيفية بالكمال والتمام ، لا طالب ولا مطلوب ، مرفوع الرأس ، ناصع السيرة ، وجميل المسيرة ، نسأل الله أن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتك ، وأن يبارك لك فيما هو قادم ، وأن يبقى إسمك حاضراً في ذاكرة المكان ، كما بقيت حاضراً في قلوب كل من عرفوك .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا