☘️🌹☘️
قضية الدكتور أحمد شفا ما تزال أمام القضاء ، وإن إحترام العدالة يقتضي أن نترك للمحاكم كلمتها ، فلا ندافع عن متهم ، ولا ندين خصماً ، ولا نحاول أن نؤثر في القضاء ، أو في رأي عام قد ينعكس على سير القضية المعنية ، وهذه ليس مجاملة لأحد ، ولكن إحترام لمبدأ العدالة .
ومن هذا المنطلق فإن حديثي اليوم ليس عن تفاصيل قضية الدكتور أحمد شفا ، ولا عن أدلتها ، ولا عن مآلاتها القانونية ، فذلك كله مكانه ساحات القضاء ، ويأتي حديثي موجه إلى إخوة خرجوا للجهاد إبتغاء لمرضاة الله ، وإلى كل من يحمل في قلبه يقيناً بأن ما قدمه من تضحية لا يبتغي به جزاء من الناس ولا شكوراً .
هنا حق لي أن أسأل المجاهدين سؤالاً هادئاً ، هل ينتظر من قاتل لله كلمة ثناء من الناس؟ ، وهل يستطيع إنسان ، مهما قال أو كتب ، أن ينقص من أجر شهيد كتبه الله عنده؟ ، إن الإيمان الحقيقي يطمئن صاحبه بأن ميزان السماء لا تحكمه ألسنة البشر ، وأن مكانة الإنسان عند الله لا ترتفع بتصفيق الناس ولا تنخفض بانتقادهم .
ويُروى في الأدب الصوفي عن الإمام الجنيد ، وبغض النظر عن صحة تفاصيل الرواية ، أن هنالك رجل لم يفهم ما عناه الجنيد ولا منطقه الذي تحدث به ، حتى رمى عليه كلمات من قبيل : (أمجنون أنت؟). ولم يكن هم الجنيد أن ينتصر لنفسه ، ولكن يقينه ساقه للحق الذي يعتقده ، لأن العارفين بالله يعلمون تمام العلم أن الأحكام التي يطلقها الناس لا تغير الحقائق عند الله ،
وليس الجنيد أول من واجه سوء الفهم هذا ، فقد كانت هنالك قصص شبيهة بهذه حدثت للخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، وهو من أعدل حكام المسلمين ، فقد قيل له أمجنون أنت ؟ ، وكذلك كان يُتهم بالضعف من بعض معاصريه لأنه قدم العدل على البطش ، والرحمة على الإنتقام . ولم يغير ذلك من منزلته في التاريخ ، حتى صار رمزاً للحاكم الذي انتصر لمبادئه ولم يجعل رضى الناس غايته .
وكذلك القرآن الكريم نفسه وثق ما قاله المشركون في حق سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) ، وقال سبحانه وتعالى : (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) ، ومع ذلك هل أوقفت تلك الأوصاف دعوة الإسلام؟ ، وهل أنقصت من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه؟ ، لقد بقيت هذه الكلمات حبيسة زمانها ، بينما انتشر الإسلام في الآفاق ، وبقي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يرفع مع كل آذان في مشارق الأرض ومغاربها .
ولهذا أقول لإخوتنا المجاهدين : إذا كنتم على يقين بأن ما قدمتموه من عمل كان خالصاً لله ، فلا ينبغي أن يشغلكم كلام أحمد شفا ، أو حتى كلام الناس كلها ، لأن الثناء لا يزيدكم عند الله ، وكذلك الانتقاص لا ينقصكم عنده ، وإذا كان باب العفو مشروعاً ومفتوحاً ، فإن الإقدام عليه سيكون شجاعة من نوع آخر ، وهي شجاعة الانتصار على النفس ، ولبس الانتصار عليها .
إن الذين يعتقدون أن الله قد إدخر لهم الأجر العظيم لا ينبغي أن تثيرهم كلمة قالها رجل ، أو رأي عبر عنه شخص ، لأن الجزاء عند الله لا يبطله إعتراض معترض ، ولا ينقصه اختلاف مختلف .
ولو حدث أن أختار صاحب الحق أن يعفو لوجه الله ، فسيذكر الناس هذا الموقف كما يذكرون المواقف الكبيرة التي تسمو فوق الإنفعال ، وسيبقى في صحيفته أجران ، أجر ما قدم في الميدان ، وأجر ما عفا عنه ، فأما الخصومات فإنها تنتهي ، بينما يبقى أثر الصفح في القلوب ، ويبقى ثوابه عند الله .
ولعلنا جميعاً نتذكر قول الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، فالعفو هنا ليس ضعفاً ، ولكنه منزلة عالية لا يبلغها إلا من وثق بأن ما عند الله خير وأبقى .
ومن هنا تأتي رسالتي ، إن كانت هناك مساحة يجيزها القانون ، وكان الحق فيها متعلقاً بصاحبه ، فإن التنازل عن الحق الخاص في قضية الدكتور أحمد شفا إبتغاء لوجه الله تعالى قد يكون صورة من صور الشجاعة التي لا تقل رفعة عن شجاعة الميدان ، فالإنسان قد ينتصر على خصمه ، ولكنه عندما ينتصر على نفسه فإنه يحقق نصراً أبقى وأعظم .
فرسالتي هنا ليست دعوة إلى التفريط في الحقوق ، ولا إلى تعطيل العدالة ، ولكن من باب الرجاء الإنساني والأخلاقي بأن يكون للعفو مكان متى كان ممكناً ومشروعاً ، وأن يكون لله نصيب في القرار قبل أن يكون للنفس نصيب فيه .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
