☘️🌹☘️
الاختلاف الذي ينشأ عن حق ، فهو سنة من سنن الحياة ، ووسيلة لإثراء الفكر وتقويم الرأي ، وأما الذي ينشأ عن باطل ، فإنه يدخل في دائرة الظلم البواح ، وتبدأ من عند تلك النقطة بذور أزمة مفتعلة لا تقوم على سبب حقيقي ، وغالباً ما يكون ذلك رغبة في الخصومة لشيء ما في نفس يعقوب ، وهذا الأمر في أغلب الأحيان معلوم بالضرورة ، وأيضاً محاولة لإختلاق نزاع بدون أرضية ، ويُضرب في مثل هذه المناسبات (مثل) شهير في شكل قصة قديمة متجددة ، وهو قصة القط والفأر ، اللذان إلتقيا في عرض البحر ، فقال القط للفأر : (لماذا تثير الغبار علينا؟) ، فأجابه الفأر متعجباً : نحن في عرض البحر ، فأين الغبار؟ فقال القط: ولهذا الكلام الذي قلته سأأكلك ، ثم انقض عليه ، فهكذا تتحدث عقلية بعض أصحاب النفوذ مع نفسها ، فيفتعلون الذرائع بدون مبرر ، ثم يصنعون أسباب للخصومة ، ويتخذون منها بعد ذلك سبب مباشر لمصادرة آراء الآخرين ، أو محاولة الانتقاص من شأنهم ، او إلغاء وجودهم في مساحة تمددهم ، وكأن النفوذ يمنح صاحبه سلطة على العقول ، ولكن هيهات أن يكون ذلك ، فالعلم لا تقارعه أي سلطة مهما قويت .
لقد صنعت وسائل الإعلام والدراما المصرية كثير من الصور الساخرة التي تعكس بعض من الواقع الإجتماعي الذي نعيشه اليوم ، ومن بين ذلك كانت شخصية (اللمبي) التي كانت تستخدم عبارات تهكمية للتعبير عن الغضب ، والإستخفاف بالآخر الذي يقوم بالضرر ، ورغم أن المقصود كان محتوى كوميدي ، فإن الرسالة الضمنية التي كان يريدها أن تأخذ حيزاً لدى العقل الجمعي ، فقد وصلت من خلال عبارتة المشهورة :(طفلة الحشرة) , والتي يقولها عند مثل هذه المناسبات ، فهي تكشف أن السخرية تصف مضمون القصد تماماً ، أي أن المنعوت بهذه العبارة على قلة قيمة الحشرة التي شبه بها ، فهو طفلتها ، دلالة على التقليل الدقيق جداً .
والتاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن الخطأ الذي يكون نابع من الجهل الذي يمكن أن يرفعة المكلف بالعلم ، أو الخطأ المقصود من أجل الإضرار بالآخرين هما عند الله سواء ، وخصوصاً إذا تسبب ذلك في إيذاء عبد من عبيد الله ، كما يظهر ذلك في حالة إعتداء الدول ذات النفوذ على الدول الأضعف منها ، مثل ما حدث قبل غزو العراق عام 2003 ، عندما بنت أمريكا أهم مبررات حربها ضد هذه الدولة على معلومات مضللة تؤكد فيها إمتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ، وهي بهذا التدبير الشيطاني إستخدمت نفوذها لإختلاق (أزمة بحجم رزمة) ، وقد فعلت فعلتها ، وبعد الغزو ، وخسارة العراق ، لم تُثبت التحقيقات وجود تلك النوعية من الأسلحة التي كانت سبباً لتدمير دولة بريئة بكاملها ، وكما خلصت المراجعات الرسمية إلى أن المعلومات الإستخباراتية التي إستندت إليها القرارات الامريكيه كانت معيبة في حق دولة بحجم الولايات المتحدة ، وأن درجة نفوذها فقط هي التي جعلتها تتجاوز ما تسمح به الأدلة التي إستخدمتها ، وهذه الوقائع تذكرنا بسلطان النفوذ الذي يمكن أن يكون (كديك العدة) في هذه الحالة تحديداً وفي الحالات ، (السودانية) على وجه العموم ، والتي سأفرد لها مساحة من الشرح الوافي فيما بعد .
وتكرار الادعاء الذي قام به هذا النافذ لا يقيم الحجة على الدليل ، ولن يحول كذبتة المصنوعة إلى حقيقة مهما حاول أن يضفي عليها صبغتة الخاصة .
ومن هنا نرجع إلى ترتيب ما قيل في هذا الشأن ، فإن إدعاء النافذ قائم على أنه لم يسمع بالمعلومة (أصلاً) ، وهذا منهج يقوم على الحماقة وعدم العلم ، وأترفع أن أنسب إليه ما يعنيه ذلك ، لأن المعلومة (ثابتة) وموثقة ، وأن حدود معرفة أي إنسان ليست هي منهج علمي ثابت يقوم علية أي حكم ، مهما بلغ علم المدعي أو مكانته ، فإن ذلك لا يمثل الحقيقة أبداً ، والتاريخ الإنساني مليء بالإكتشافات والأفكار التي تم رفضها في بدايتها لأنها كانت خارج دائرة المعرفة السائدة إنذاك ، وإن أقرب مثال لذلك ما قاله الإمام أبو حنيفه النعمان حينما سُئل عن شيء ليس لديه به علم وقتها : (آن لأبي حنيفة ان يمدد رجليه) .
إن إستغلال النفوذ لإقصاء المخالفين ، أو تصويرهم على أنهم أقل فهماً أو أهلية ، يكشف عن شح نفس هذا النافذ في تقبل الرأي الصائب الذي يخالفه ، ولذا أقول له (أرعا بقيدك) لأن من يثق في علمه لا يخشى المواجهة أبداً ، لأن الحجة فقط تكفيه .
لقد كتبنا ما نراه حقاً ، إنطلاقاً من المسؤولية الأخلاقية ، والقناعة الفكرية التي درجنا عليهما في مختلف القضايا ، وعلى إمتداد سنوات طويلة ، ولم يكن ذلك رغبة منا في الخصومة مع أحد ، أو انتقاصاً منا في حق إنسان ، ولكن .. التزاماً بما نعتقد أنه الحق لا غير .
ونحن نؤمن بأن هذا الفضاء ، وهذا المكان على وجه الخصوص ، يتسع للجميع ، وأن حقنا في التعبير لا يمنحه لنا أحد ، مهما علت منزلته أو اتسع نفوذه ، وكما لا يستطيع أحد أن يسلبنا إياه أبداً مهما بلغ ، ما دمنا ملتزمين بالأدب ، ومحترمين للآخرين ، ومحتكمين إلى الحجة والبرهان .
ولنا بقية … فالقصة لم تبدأ بعد .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
