☘️🌹☘️
هناك أشخاص يؤدون أعمالهم بكفاءة عالية ، وآخرون يعيدون تعريف معنى العمل من جديد ، ومن دواعي فخري وسروري أن أحدثكم إنسانة تتجسد فيها الإنسانية بمعناها الواسع وهي من صف بناتي ، وتنتمي إلى الفئة التي تعيد تعريف مفهوم العمل في الحياة للناس ، إذ لا تكتفي بأن تدير الجودة في مكان عملها ، لإنها في الحقيقة تمنح التفاصيل الدقيقة روح ، وتجعل الجودة نفسها جزء من الضمير المؤسسي الذي لا يظل موجود على الدوام .
الدكتورة منا محمد سليمان أرباب بمستشفى الضمان الاجتماعي بمدينة مروي ، هي موظفة إستثنائية ، وتشغل مدير إدارة الجودة والتطوير وسلامة المرضى ، فعنوان إدارتها في عملها ، فهو ليس ملفات مصفوفة على الرفوف ، ولا لوائح جامدة على الورق ، ولكنها فعل يومي تمارسه ، ونبض في كل لحظة يسري في تفاصيل المكان ، ويبدأ من إحترام الإنسان ، ويمر عبر دقة الإجراءات ، وينتهي عند مريض يشعر أنه في يد أمينة ، فهي تتنفس الجودة ، وتنقشها في المكان كما ينقش الرسام الماهر خطوطه على الزجاج ، صبر ، وإتقان ، وجمال ، وحساسية عالية تجاه كل تفصيلة صغيرة ، حتى تبدو الصورة في نهايتها عبارة عن عمل لا يقبل النقص او النقد .
من يقترب من هذه المرأة المتفردة يدرك سريعاً أن العلم عندها ليس شهادة معلقة على الجدران ، ورغم أنها تحمل درجة الدكتوراه في الصحة العامة ، غير أن المعرفة لديها أعمق من وصف الشهادة ، لانها لا تتوقف عند حدود التخصص ، فعلمها يمتد إلى الإدارة ، والقيادة ، وبناء الفرق ، وصناعة الإنسان قبل صناعة النظام ، وتتحدث هذه المرأة بلغة العلم ، وتفكر بعقل المؤسسة ، وتتحرك بقلب يعرف قيمة كل فرد يعمل معها .
يصعب إختزال شخصيتها في منصب مدير إدارة الجودة والتطوير وسلامة المرضى ، فالمنصب قد يمنح التخويل بممارسة السلطة ، أما الحضور الحقيقي فلا تمنحه إلا الشخصية نفسها ، لهذا إستطاعت أن تصنع حولها مناخاً مهنياً مختلفاً ، لا يعتمد على التعليمات ، ولا على الصرامة المهنية ، لأن الذي بينها وبين طاقم إدارتها يقوم على الثقة ، والإحترام المتبادل ، والشعور المشترك بالمسؤولية ، فهناك لغة خفية نشأت بينها وبين زملائها ، لا تحتاج إلى كثير من الكلمات ، تفهمهم من ملامحهم ، ويقرؤون مقصدها من نظراتها ، في ذات مرة رافقتها وكنا نسير جنباً إلى جنب من داخل مكتبها الى المخرج للمشاركة في إستقبال أحد الورزاء الإتحاديين ، فنظرت لأحد من زملاء العمل ولم تتكلم معه ، فرد عليها بكل حب بجملة مرتبة برر فيها سبب وجوده في هذا المكان وكأنها سألته ، فعلمت حينها ، أن العمل في هذه الإدارة ومع هذه الشخصية يسير بإنسجام يندر أن تصنعه اللوائح .
من المؤكد أن الإدارة في مفهومها البسيط ليست مراقبة الناس ، ولكن الإدارة عند د. منا هي تحرير أفضل ما في الناس ، فعلمت من زملائها انها لا تبخل بعلم ، ولا تضن بخبرة ، ولا تحتفظ بفكرة يمكن أن ترتقي بالأداء ، وتمنح المعرفة بسخاء العارف الواثق أن العلم يزداد كلما تقاسمه أصحابه ، وتؤمن بأن نجاح المؤسسة لا يُبنى على نجم واحد ، ولذلك تعمل مع زملائها بروح الفريق الواحد الذي يرى في النجاح مسؤولية جماعية .
فما أكثر الحديث عن الجودة ، ولكن قل من يفعل معناها على ارض الواقع ، ولذلك تظل القامات النادرة هي التي تمنح المصطلحات معناها الحقيقي ، فالدكتورة منا لا ترفع الجودة كشعار لها ، لإنها تعيشها كحياة ، ويظهر ذلك في قراراتها ، وفي طريقة إدارتها للإجتماعات ، وفي حرصها على سلامة المرضى ، وفي إيمانها بأن الخطأ فرصة للتعلم ، وليس سقطة ، وأن التطوير رحلة لا يُعرف لها محطة أخيرة .
هي إدارية من الطراز الرفيع ، وإنسانة راقية في ممارسة قيم الإنسانية الشفافة ، وتمتلك القدرة على رؤية التفاصيل الصغيرة من دون أن تغيب عنها الصورة الكبرى ، وتعرف كيف تُبنى المؤسسات ، وكيف يصبح النظام أكثر كفاءة مع اصطحابها لكل القيم الإنسانية والمهنية ، ولذلك يجد الجميع أنفسهم قريبين منها ، وتحظى بالاحترام قبل المحبة ، وبالثقة قبل الإعجاب ،
ثم إن فيها خصلة لا تُدرس في الجامعات ، ولا تمنحها الدرجات العلمية ، وهي ذلك الصفاء الإنساني الذي يجعل الآخرين يشعرون بقيمتهم في حضرتها ، تنصت قبل أن تتحدث ، وتقدر الجهد قبل أن يقال لها ، وتمنح كل من حولها الإحساس بأنه شريك معها في صناعة النجاح .
الدكتورة منا محمد سليمان أرباب تعتبر رصيد وطني بالغ الندرة ، لإنها ثروة إنسانية عظيمة ، وتؤسس لثقافة نادرة سيمتد أثرها طويلاً حتى لو غادرت المكان ، فما أحوجنا إلى أن تتحول تجربة هذه المرأة إلى مدارس نستفيد منها ، وأن تُكتب سيرتها في دفاتر الأجيال القادمة ، حتى يتعلمون أن التميز ليس ضربة حظ ، لأنه يعتبر حصيلة علم راسخ ، وإخلاص متفرد ، وعمل يومي يرفض الإكتفاء بما تحقق .
ونأمل أن تتكرر الدكتورة منا في كل مؤسساتنا ، وأن تتسع دوائر أثرها الإيجابي في كل مكان ، حتى يصبح وجودها حالة تتجدد في جميع الأمكنة ، وبارك الله فيها وحفظها ورعاها وسدد خطاها و وزاد من أمثالها .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
