☘️🌹☘️
هنالك معاركٌ تدور في الخفاء ، كما تدور في العلن ، لكنها ليست معارك من أجل بلوغ القمة ، ولا لتحقيق النجاح ، فهي معارك سوداء يخوضها أناس لا يستطيعون أن يرتقوا بأنفسهم ، ولذلك يسعون إلى تكسير أجنحة غيرهم حتى لا يسمو أحد فوقهم ، ويحظى بمكانة أرفع من مكانتهم ، وهذه واحدة من أخطر الآفات الإجتماعية التي تنخر بصمت في جسد المجتمع السوداني بصورة عامة ، وبعض أفراد مجتمع الشمال بصورة خاصة ، وهذه الآفة لا تكتفي بإيذاء الأشخاص فقط وتقف عند هذا الحد ، ولكنها تمتد لتغتال الفكرة قبل أن تولد ، وتخنق المبادرة قبل أن تنمو ، وتقتل الحلم قبل أن يجد صاحبه فرصة ليحوله إلى واقع .
الحسد في صورته المدمرة لا يكتفي بتمني زوال النعمة فقط عند الغير ، ولكنه يتحول إلى سلوك يومي يسعى إلى إطفاء كل نور يظهر في الأفق ، فإذا نجح شخص في شيء ما ، بدأ البحث عن عيوبه ، وليس عن أسباب نجاحه ، وإذا لاحت في الأفق مبادرة نافعة ، إنطلقت الشائعات لتشويهها ، وإذا ظهر صاحب موهبة ، تكاثرت الأصوات التي تقلل من شأنه وتشكك في نواياه ، وكأن نجاحه جريمة تستحق العقاب .
المؤلم جداً أن بعض الناس لا يسأل: نفسه كيف أكون الأفضل؟ ، ولكنه يسأل : كيف أمنع غيري من أن يكون أفضل مني؟ ، فيضيع عمره في نصب العراقيل للناس ، والضرب تحت الحزام ، وإثارة الخصومات بدون مبرر ، ويسعى في محاولة نشر الإحباط ، معتقداً أن سقوط الآخرين سيمنحه مكانة لم يستطع أن يصنعها بعمله وإجتهاده .
فالمجتمع لا ولن يتقدم عندما يصبح النجاح تهمة ، وحينها يتحول المتميز إلى هدف للسهام ، وتُحارب الأفكار الجديدة والجيدة ، لأنها تكشف تقصير من إعتادوا على الجمود ، فالتقدم الحقيقي يقوم على المنافسة الشريفة التي تدفع الجميع إلى الأمام ، لأن معارك الاستنزاف لا ينتصر فيها أحد ، ويخسر فيها الجميع .
أخطر شيء في حياة الناس هو التساوي بين ثقافة الإنجاز والاستفزاز ، فكلما أضاء أحدهم شمعة ، إنشغل بعضهم بمحاولة إطفائها بدلاً من إشعال شموعهم معها ، وهكذا تتراكم الخسائر ، ويخسر المجتمع عقولاً كان من الممكن أن تبدع ، ومشروعات كان كذلك من الممكن أن توفر الخير ، وشباباً كان أيضاً من المكن أن يصنعوا مستقبلاً مختلفاً وكل ذلك يكون بسبب الجهل والجهلاء .
إن الإنسان الواثق من نفسه يفرح لرؤية الناجحين ، لأن نجاحهم يثبت أن السير في طريق الخير ممكن ، وأما من إمتلأ قلبه بالحسد ، فإنه يرى في كل نجاح إدانة لفشله ، فيحاول إزالة الدليل بدلاً من معالجة السبب ، وهنا تبدأ دوامة الهدم التي لا تنتج إلا مزيداً من الفشل العام .
نحن اليوم بحاجة إلى ثقافة تجعل التصفيق للإنجاز فضيلة ، ودعم المبادرات مسؤولية مجتمعية ، فالاختلاف في الآراء يجب ان يوظف كظاهرة صحية لانه يصنع منافسة في الإبداع ، ويجب ألا يكون معركة لإقصاء الغير . فالبناء ليس بإسقاط أصحاب الكفاءة ، ولكنه بإفساح الطريق لهم ليتقدموا ويجروا معهم البقية إلى الأمام ، لأن نجاح الفرد عندما يكون نزيهاً هو مكسب للمجتمع كله ، ولا يمثل خسارة لأحد .
ويجب أن نعلم تمام العلم أن رزق الإنسان ونجاحه لا ينتقصان من رزق غيره شيئاً ، وأن تفوق الآخرين لا يقلل من قيمة أحد ، وعلاوة على ذلك يفتح آفاقاً أوسع للجميع ، ولذلك لا ينبغي أن نواجه النجاح بالتشويه أو الحسد ، ولابد أن نزيد من فرص الإجتهاد والمنافسة الشريفة ، فإذا سادت هذه القيم ، نكون قد وضعنا أقدامنا على أول طريق النهضة ، فمن واجبنا أن نكرم المبدعين ونحتضن أصحاب المبادرات ، لأنهم بوابة المستقبل ، أما محاربتهم وإقصاؤهم فلن تورثنا إلا مزيد من التراجع وخسارة في كل فرص الحياة .
والله المستعان
(الجاهل عدو نفسه ، فكيف يكون صديق غيره؟)
elbagirabdelgauom@gmail.com
