منذ الأشهر الأولى لاندلاع الحرب، بدا واضحاً أن الدولة تميل إلى خيار احتواء الصراع أكثر من إطالته؛ فقد سعت الحكومة مبكراً إلى إيقاف النزيف وقطع الطريق أمام اتساع رقعة الدمار، فجاءت “اتفاقية جدة” كإطار يمكن أن يؤسس لتهدئة تُجنّب البلاد مزيداً من الانهيار. غير أن تلك المحاولة، رغم ما حظيت به من اهتمام، اصطدمت بعوامل معقدة، أبرزها التدخلات الخارجية التي لم تكتفِ بإضعاف فرص السلام، بل ذهبت إلى دعم المليشيا بصورة مباشرة وغير مباشرة.
هذا الدعم، الذي اتخذ أشكالاً متعددة من فتح الحدود إلى تدفق الأموال، أسهم في إطالة أمد الصراع، وأعطى المليشيا شعوراً زائلاً بالقدرة على فرض واقع جديد؛ فارتفعت سقوف الطموح، وتحول التمرد إلى مشروع يسعى للسيطرة وإقامة “مملكة آل دقلو” على شاكلة “دولة آل نهيان”، مستندين في ذلك على أوهام لا تصمد أمام تعقيدات الواقع السوداني.
لكن الميدان، كما جرت العادة، كان أكثر صدقاً؛ فبدأ “الحفر بالإبرة”، ومن “النقطة صفر” تم تحرير الشريط النيلي ومناطق واسعة في كردفان. ومع مرور الوقت، بدأت علامات التصدع تظهر داخل بنية المليشيا؛ تباينات في التصريحات، وتراجع في الروح القتالية، ثم الأهم من ذلك: تزايد حالات التسليم لبعض القيادات الميدانية التي آثرت الخروج من المشهد، فيما يتهيأ آخرون لخطوة مماثلة بعد أن تبين لهم أن المشروع الذي انخرطوا فيه يفتقر إلى مقومات الاستمرار.
وقد لفتت الأنظار مؤخراً عمليات تسليم نوعية شملت عربات ومعدات عسكرية بقيادة القائد “النور قبة”، حيث استلمتها القوات المسلحة وفق الإجراءات القانونية المعمول بها؛ من تحقيقات وجمع معلومات، وصولاً إلى ترتيبات الدمج أو التسريح. وهي عملية معقدة بطبيعتها، لا تُقاس بنتائجها الآنية فحسب، بل بما تفضي إليه من استقرار مستدام وإعادة ضبط للمشهد الأمني دون المساس بالحق الخاص.
المفارقة هنا، أن ما عجزت عنه طاولات التفاوض بدأت تفرضه تطورات الميدان؛ فبينما تعثرت الاتفاقيات والوساطات، أخذت التسليمات المتتالية تشكل مساراً عملياً لتفكيك التمرد من الداخل دون ضجيج، ولكن بفاعلية واضحة. تعتمد القوات المسلحة في إدارتها لهذا الملف على استراتيجية “النفس الطويل”، مستفيدة من خبرات سابقة تؤكد أن الحركات التي تقوم على الدعم الخارجي والارتزاق سرعان ما تفقد تماسكها بمرور الزمن.
إن العامل الزمني، إلى جانب الضغط الميداني، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها مهما بدت الأزمة معقدة. ورغم قسوة الواقع الذي يعيشه المواطن وتداعيات الحرب على تفاصيل الحياة اليومية، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن مسار التمرد يتجه نحو الانحسار؛ فحين تبدأ القيادات في مراجعة مواقفها وتتقدم لغة التسليم على صوت السلاح، يصبح من المنطقي القول إن هذه الحرب قد دخلت مرحلة مختلفة؛ مرحلة يتقدم فيها الواقع على الرهانات الزائفة، وتتكشف فيها حدود القوة، وتعلُو فيها كفة الدولة.
