☘️🌹☘️
زيارة سعادة دولة رئيس الوزراء د. كامل إدريس إلى قريته تمثل عودة رمزية إلى جذور ظلت ساكنة في الذاكرة ، وإن لم تطأها قدماه من قبل ، فالزورات هي تلك القرية التي تقع شمال دنقلا ، والممتدة على ضفاف التاريخ والجغرافيا ، إذ تعانق النيل بحب وحنان ، ولم تكن يوماً غريبة عن د. كامل ، فهي مسقط رؤوس أجداده ، ومنها بدأت حكاية الأسرة ، ومنها إنطلقت أولى خيوط الانتماء .
هنا في قرية الزورات الجميلة وُلد والده ، وعاش شطراً من حياته قبل أن تأخذه الأقدار إلى حي الملازمين العريق في أمدرمان ، وبين تلك المسافة التي تمتد نحو 600 كيلومتر ، ظل اسم الزورات عالقاً في وجدانه ، والحنين إليها مؤجلاً ، حتى جاء الوعد ، وجاءت اللحظة .
لم يزر د. كامل إدريس قريته من قبل ، إلا أن هذه الزيارة التي جاءت كثمرة تنسيق قاده أحد أبنائها البررة ، وهو سعادة الفريق ركن دكتور مهندس عبد الهادي عبد الله ، رئيس المقاومة الشعبية بالولاية الشمالية ، ومهندس هذا اللقاء ، وصاحب الفضل في جمع خيوطه ، والذي فتح بيته لإستقبال الوفد ، فبدأت الزيارة من داره ، حيث ظهرت بصمته الواضحة في حسن الترتيب وصدق التقديم .
كانت الزيارة قصيرة جداً من حيث الزمن ، لكنها حملت رمزية عظيمة في معناها ، إستقبلت الزورات رئيس الوزراء بوجوه أهلها ، وببساطتها وصدق حبهم لضيفهم ، وسار في طرقاتها وكأنه يستعيد شيئاً من نفسه ، لقد إلتقى بوفد نخبوي من أبنائها ، وإستمع إلى حديث يشبه نيلها ، هادئ ، وواضح ، ومباشر ، ومليء بالأمل .
سار في شوارعها حتى بلغ منزل الفريق عبد الهادي بكل فخر ، حيث كان الاستقبال ، وهناك إنفتح الحديث عن الزورات ، تلك القرية الوادعة التي تمتد لنحو 15 كيلومتر أو يزيد ، وهي تحتضن أحد أكبر المشاريع الزراعية في المنطقة ، بمساحة تصل إلى 14 ألف فدان ، لا يُستغل منها سوى 6 آلاف فقط ، بسبب عدم استقرار الكهرباء و أخرى فنية بسيطة ، لو تم حلها لعادت الأرض كلها إلى الإنتاج .
وفي قلب هذه الأرض ، يقف مسجد كلموسيد الشامخ ، ذاك المسجد الذي يعانق التاريخ ، ويكفيه فخراً كونه أول مسجد في السودان أُقيمت فيه صلاة الجمعة ، كما شهد المسجد توقيع إتفاقية البقط الشهيرة بين أهل المنطقة وعبد الله بن أبي السرح ، تلك الاتفاقية التي حملت في معناها النوبي دلالة إقتسام الثروة والسلطة ، في واحدة من أقدم صور التعايش السلمي ، والتنظيم المجتمعي لأهل حضارة عظيمة .
عُرضت أمامه المشاكل ، والتي تمثلت في عدم استقرار التيار كهربائي ، وحاجة ملحة إلى الطاقة الشمسية ، وضرورة توسيع أحواض الري والقنوات ، فهذه المطالب هي بسيطة في ظاهرها ، لكنها عظيمة الأثر إذا تم إنجازها .
لقد إستمع ، ووعد بوعد بدا إمتداداً لشعور واضح في ملامح وجهه ، وهو يقف على أرض الآباء والأجداد ، وكانت فرحته بهم صادقة ، كما كانت فرحة الأهالي به أكبر ، سيما وأنهم رأوا فيه واحداً منهم عاد إليهم بعد غياب ، وإن تأخر اللقاء .
لم تكن الزورات وحدها من تشرفت بقدومه ، فهو أيضاً تشرف بزيارتها ، لقد كان لقاء إختصر المسافات بين الجذور والواقع ، وبين الحنين والمسؤولية ، وفتح باباً جديداً للأمل ، عنوانه أن العودة مهما تأخرت ، تظل ممكنة ومثمرة إذا توفرت الإرادة مع نقاء الضمائر .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
