☘️🌹☘️
تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي خبر تلف عشرات الآلاف من جوالات الدقيق بالولاية الشمالية ، فإنقبضت قلوبنا قبل عقولنا ، فمثل هذه الأرقام يقرأها الناس كوجع يمس حاجات الناس الأساسية ، ويستدعي أسئلة مشروعة عن الكيفية التي إنتهى بها الأمر إلى هذه الخسارة الفادحة ، والناس في أشد الحاجة إليها .
غير أن البحث بهدوء في التفاصيل يكشف أن الصورة أكثر تعقيداً مما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي ، فالشحنة في الأصل لم تكن مخصصة للولاية الشمالية التي دار حولها الجدل بصورة غير منصفة ، ولم تكن ضمن مسؤولياتها أو حصصها ، فكانت الولاية كأرض عبور في مسار إغاثي وجهته دارفور ، وتحكمه ترتيبات خاصة بالمنظمات الدولية والجهات الناقلة المتعاقدة معها .
ما جرى كان نتيجة تعثر في إيصال هذه المواد إلى دارفور ، لتعود الشحنة إلى مدينة الدبة ، فطال بقاؤها في ظروف بيئية قاسية في إنتظار تحسن الظروف الأمنية ، وصاحب ذلك ضعف في ترتيبات التخزين من قبل المتعهد بالنقل ، حتى إنتهى بها الحال إلى التلف الكامل ، وهنا تتداخل المسؤوليات بين المنظمة الدولية ، والناقل ، والظروف التي حالت دون وصولها إلى الفاشر ، بينما تبقى الولاية الشمالية منطقة عبور فقط وهي خارج هذا الموضوع تماماً ، ولا تستطيع حتى الإبداء برأيها في هذا الأمر الذي هو معلوم بالضرورة ، إذ أن التصرف يقع خارج نطاق تأثيرها المباشر ، ولا يمكن للولاية أن تتدخل في عمل منظمة دولية كمنظمة الأغذية العالمية ، خاصة وأن الشحنة غير موجهة إليها أصلاً .
الشيء الذي أسهم في تضخيم الجدل في الموضوع هو استخدام عبارة (تم ضبط) ، وهي في الحقيقة صيغة بوليسية ذُكرت خلال أحد المؤتمرات الصحفية في هذا الشأن ، وهذه العبارة لم تكن موفقة في سرد الملابسات ، إذ حملت للناس إيحاءات دفعت البعض إلى تفسير الحدث وكأنه مرتبط بفساد أو تجاوزات أو مخالفات ، بينما الواقع عكس ذلك تماماً .
صحيح أن بعض التفسيرات اتجهت إلى إلصاق تهمة الفساد بالولاية الشمالية ، وهي بريئة من ذلك ، وتعددت الروايات وكثرت القصص ، مما زاد من حدة الجدل الذي تناقلته الوسائط ، إلا أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير فالقضية في صورتها البسيطة ، لا تتجاوز كونها شحنة مواد غذائية لم تصل إلى وجهتها النهائية في الفاشر بسبب موانع تتعلق بسلامة الطريق ، والحصار وما نتج عنه من ظروف أمنية معقدة ، بالإضافة للظروف الطبيعية ، وكانت تحت إدارة منظمة دولية لم توفق في التعامل مع القيود التي فرضتها الظروف المحيطة .
ولا شك أنها خسارة كبيرة كان من الممكن تفاديها ، لو أحسن القائمين على أمرها التصرف في الوقت المناسب ، سواء بإعادة توجيه الشحنة إلى ولاية أخرى من الولايات الآمنة ، أو بتخصيصها للولاية الشمالية ، ولكن الموضوع في النهاية هو خارج دائرة سيطرة الولاية الشمالية تماماً .
هذه الشحنة لم تنل الولاية من خيرها ، ولم تسلم من شرها ، وهي لم تكن مسؤولة عن مآلاتها ، كما يقول المثل العربي في مثل هذه المواقف :
تموت العيس في البيداء ظمأً
والماء فوق ظهورها محمول
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
