41.5 C
Khartoum
الجمعة, أبريل 3, 2026

همس الحروف .. العقيد شرطة آمنة عمر ، توثق بصمات العطاء في الحصاحيصا .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

في خضم ما أثير من جدل واسع حول قرار تسمية أحد شوارع مدينة الحصاحيصا بإسم سعادة العقيد آمنة عمر حسن ، كتب أحد الزملاء منتقداً المدير التنفيذي ، وقد حملت كلماته شيئاً من القسوة التي جرحت مشاعر الكثيرين ، ومن بينهم سعادة العقيد آمنة ، صاحبة الشأن في هذا التكريم .

غير أن الإنصاف يقتضي أن نتريث قليلاً ، وأن ننظر إلى الصورة من زاوية أوسع ، فالحكم الذي يُبنى على المعرفة الجزئية قد يظلم أصحاب العطاء ، ويُغفل عن جهود عظيمة تمت في صمت بعيداً عن الأضواء .

لقد كان من الأولى قبل إطلاق الأحكام أن يتحرى الزميل وهو صاحب قلم محترم ونحن نكن له كل الإحترام والتقدير ، وأن يسأل عن ما قدمته العقيد آمنة لمدينة الحصاحيصا ، لأن ما قامت به لا يمكن تجاوزه أبداً ، أو التقليل من شأنه ، فهذه المرأة نموذج للعطاء الصامت ، والعمل الوطني الخالص الذي لا ينتظر ثناء من أحد ، ولا يسعى إلى الشهرة .

العقيد آمنة بحق وحقيقة ، كالغيث أينما وقع نفع ، ومن أبرز إنجازاتها أنها صاحبة مبادرة إعادة إعمار قسم شرطة مرور محليه الحصاحيصا ، دون أن تُكلف إدارة مرور الجزيرة جنيهاً واحداً ، وهو أمر يبعث على الدهشة وفي ذات الوقت الإعجاب ، وخصوصاً إن هذا الجهد تم في صمت تام ، حتى أن السيد والي ولاية الجزيرة نفسه تفاجأ بحجم هذا الإنجاز الضخم عند الافتتاح ، في صورة تلخص قيمة العمل عندما يكون خالصاً لوجه الله تعالى ، وللوطن .

ولم يتوقف عطاؤها عند هذا الحد ، إذ إمتد ليشمل أدق التفاصيل الإنسانية ، حيث كانت تحفز عساكرها ، فهم العاملون الذين عمروا قسم المرور بسواعدهم وعرق جبينهم ، وكانت هي الطباخة الماهرة التي تأتي بالوجبات لهم من منزلها الخاص ، حرصاً منها على تخفيف العبء عن المؤسسة الشرطية ، وإستشعاراً منها بالظروف التي تمر بها البلاد ، وهذا السلوك يعكس حسها الوطني العالي ، وروحها القيادة التي تتميز بها ، ولا تكتفي بالتوجيه ، ليمتد عطاؤها الى درجة المشاركة بنفسها في المسؤولية .

لقد عادت بعد تحرير الجزيرة لتواصل مسيرة الإعمار ، ويظل قسم مرور الحصاحيصا شاهداً حياً على بصماتها الناعمة ، ولم يكن قرار تكريمها معزولاً عما سبقه ، فقد كُرمت مسبقاً عدة مرات من قبل شركاء الطريق (السائقين وأصحاب المركبات والركشات وغيرهم) ، الذين لمسوا أثر وجودها وجهودها بشكل مباشر .

كما ساهمت في التخفيف عن عدد من الأسر عبر إتاحة فرص عمل لأبنائهم ، في مبادرة إنسانية تُحسب لها ، وتؤكد أن دورها قد تجاوز الإطار الوظيفي إلى اوسع أبواب المسؤولية المجتمعية .

ومن أوجه تجرد هذه المرأة أيضاً أنها تنازلت عن أقدميتها لتكون مديرة لهذا القسم من أجل مصلحة العمل ، علماً بأن الهيكل الوظيفي لهذا القسم لا يحتمل رتبة أعلى من رتبة الرائد أو المقدم ، ويُعد هذا الموقف في حد ذاته من المواقف النادرة التي تعكس تغليب المصلحة العامة على كل الاعتبارات الشخصية .

إن أجمل ما في هذا التكريم أن يكون في حياة الإنسان ، وهو تقليد نفتقده كثيراً في السودان ، إذ اعتدنا أن نكرم ونحتفي بمن رحلوا عنا ، أكثر ممن لا يزالون بيننا على قيد الحياة ، ولذلك فإن تسمية شارع باسم العقيد آمنة ليس تقديراً لشخصها فقط ، وإنما هو أيضاً تكريم للشرطة السودانية أتى في شخص آمنة ، ويعتبر رسالة إيجابية توثق لقيمة العطاء في المجتمع .

الحقيقة أن آمنة تستحق أكثر من ذلك بكثير ، غير أن هذا التكريم يظل خطوة في الاتجاه الصحيح ، وشرفاً للمدينة أن يقترن إسمها بإسم إحدى بناتها المخلصات ،
ومن هنا فإننا نتقدم بالشكر الجزيل للمدير التنفيذي الأستاذ عبد المجيد النعيم بابكر ، الرجل المهني الذي يعرف قدر المخلصين من الرجال والنساء ، على هذه المبادرة الطيبة التي في جوهرها تعبر عن تقدير مستحق لهذه المرأة العظيمة .

ونحن طيف واسع في قبيلة الإعلام والصحافة نوجه رسالة تقدير وإعتذار لسعادة العقيد آمنة ، نيابة عن كل قلم كتب عنها سلباً لعدم تمكنه من إيجاد الوقت الكافي للإحاطة بتجربتها كما ينبغي (قبل ، وبعد الحرب) ، فربما لم يجد الفرصة لمعرفتها عن قرب ، وما حصل بنطبق على المثل القائل : (الإنسان عدو ما يجهل)، ولو علم الزميل ، لقال عنها غير ذلك تماماً .

مدينة الحصاحيصا فضاء رحب تتلاشى فيه الجهويات ، وينصهر فيه الجميع في نسيج واحد ، فهم أهل يجمعهم إسمها قبل كل انتماء ، وهي مدينة أكبر ، وأجمل ، وأسمى من أن تُختزل في خلاف رأي واحد ، لأنها مدينة عريقة تعرف جيداً كيف تُنصف أبناءها وتُحسن تكريمهم .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا