☘️🌹☘️
بلاغ مستعجل إلي عناية :
1/ السيد وزير التربية والتعليم الإتحادي
2/السيد والي ولاية الخرطوم
قبل أن أبدأ في كتابة هذا المقال ، كادت مرارتي تنفقع من شدة القهر الذي ملأ جوفي وأنا إستمع لإفادات أولياء أمور تلميذات مدرسة الاندلس الإبتدائية للبنات ، بكل أسف أن الشعب السوداني يعيش قهراً حقيقياً ، قهراً لا يشعر به أحد ، إلا من إكتوى به ، فالمواطن من بساطته لا يعرف الطريق السهل لنيل حقه الطبيعي بصورة كريمة بلا ترف ، والأسوأ في الموضوع أن كثيراً من المسؤولين لا تنسجم ضمائرهم مع وجدان هذا الشعب البسيط ، فيتعاملون معه بإستعلائة ، وإستخفاف شديدين . والحقيقة أن هذا الشعب العظيم لا يستحق مثل هذه المعاملة السيئة .
هل يمكن لأحد أن يتخيل معي أن تلميذات في مدرسة ابتدائية ، وبعد انتهاء الحصة الثانية ، فوجئن بقرار تحويل مدرستهن إلى مرحلة متوسطة ، من دون إخطار مسبق أو تمهيد ، ومن غير أي ترتيبات تضمن لهن الإنتقال إلى مدارس أخرى؟ ، قرار تعسفي مفاجئ كهذا لا يربك التلميذات وحدهن ، لانه يضع أسرهن أيضاً أمام واقع غير متوقع .
لقد فوجئت إدارة مدرسة الأندلس (9) الإبتدائية للبنات بالكلاكلة شرق ، والتلميذات بقرار مفاجئ يقضي بتحويل المدرسة من مرحلة إبتدائية إلى مدرسة متوسطة ، من دون أي إنذار أو تمهيد مسبق ، وقد أُبلغت مديرة المدرسة الأستاذة زهرة بهذا القرار الذي وقع على الجميع كالصاعقة في صباح يوم الإثنين الموافق 2 مارس 2026 في تمام الساعة العاشرة (ص) ، وبموجب هذا القرار طُلب من المديرة إخراج التلميذات من المدرسة ، وإبلاغهن بالعودة إلى منازلهن لإخطار أولياء أمورهن بأن المدرسة لم تعد مدرسة ابتدائية ، وأن عليهن الانتقال إلى مدارس أخرى ابتداءً من اليوم التالي ، وهكذا وبهذه السذاجة والبساطة تم إلغاء واقع دراسي قائم بقرار مجنون ومفاجئ ، تاركاً خلفه التلميذات وأسرهن في مواجهة تبعاته المريرة ، وعلى المتضررين أن يقبلوا بالأمر الواقع ، أو أن يضربوا برؤوسهم في حائط هذا القرار دون أن يجدوا من يستمع إليهم .
في أي مكان في العالم لا تُتخذ القرارات المتعلقة بالتعليم بهذه الخفة التي أربكت حياة الأطفال وأسرهم ، فالتعليم قضية مجتمع ومستقبل أمة ، وما جرى في هذه المدرسة الابتدائية يطرح تساؤلات كبيرة حول طبيعة القرار الذي أدى إلى ضياع حقوق التلميذات ، فهل يُعقل أن يُتخذ قرار يمس مستقبل الأطفال بهذه البساطة ؟ ، قرار بلا خطة ، ولا تنسيق ، ولا حتي محاولة إيجاد بدائل في المدارس الأخرى ، ولا حتى إخطار مسبق للأسر .
أمام هذا الواقع المأزوم ، تحرك مجلس آباء المدرسة متجهاً لمقابلة المسؤولين لمعرفة أسباب القرار ومحاولة توقيته ، غير أن الردود التي تلقوها لم تبدد الحيرة بقدر ما عمقت الإحساس بالغبن والارتجال ، فبدلاً من تقديم تفسير مؤسسي واضح ، جاءت الردود بحسب إفادات أولياء الأمور وهي بعيدة عن روح المسؤولية التي ينبغي أن تتحلى بها الجهات الرسمية عند التعامل مع قضية تعليمية حساسة .
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا : (هل ما جرى هو قرار مؤسسي مدروس) ، وصادر عن الجهات المختصة وفق رؤية تعليمية واضحة ؟ ، أم هو نتاج أهواء شخصية واجتهادات فردية ؟ .
فإذا كانت المسألة عبارة عن إجتهاد شخصي فالمصيبة كبيرة ، لأن التعليم لا ينبغي أن يكون ساحة لممارسة أي نفوذ بصورة فوقية ، وأما إن كان القرار مؤسسي بالفعل ، فالمصيبة هنا أكبر ، لأن القرار المؤسسي يفترض أن يُبنى على دراسة ميدانية يشرك فيها أولياء الامور قبل إتخاذه ، وأن يراعي فيه مصالح التلاميذ وأسرهم قبل أي اعتبار آخر .
والحقيقة الصادمة أن هذه المدرسة تم تشيدها بالجهد الشعبي من أبناء الحي ، وآبائه الذين تبرعوا بوقتهم ومالهم ليكون لأطفالهم مكان قريب وآمن يتلقون فيه تعليمهم ، وتوجد بالفعل قوائم بأسماء كل الذين ساهموا في بناء هذه المدرسة .
لا أحد يعترض من حيث المبدأ على تطوير العملية التعليمية أو حتى تغيير المرحلة التعليمية للمدرسة ، فالتطوير مطلوب ومحمود ، ولكن المشكلة تمت بصورة إرتجالية ولم تعالج حقوق التلميذات اللائي يدرسن فيها حالياً ، فكيف يتم إجبار أطفال على الانتقال إلى مدارس بعيدة في ظل ظروف أمنية صعبة تمثل خطراً حقيقياً عليهم ، فضلاً عن كونه قرار يفتقر إلى العدالة والواقعية .
ليس من المقبول أن يُطلب من الأسر البحث عن مدارس بديلة دون تنسيق مسبق من الوزارة ، خاصة وأن بعض أولياء الأمور الذين توجهوا إلى مدارس أخرى لنقل بناتهم قوبلوا بالرفض بسبب عدم توفر مقاعد .
واليوم وبعد مرور أكثر من عشرة أيام ، لا يزال أولياء الأمور معتصمين داخل مباني المدرسة في انتظار حل ينهي هذه الأزمة ، بينما لم يتحقق أي تقدم ملموس يعيد الطمأنينة إلى الأسر أو يضمن إستقرار التلميذات في مقاعد الدراسة .
من هنا نرفع هذه الشكوى بوضوح إلى السيد وزير التربية والتعليم الإتحادي ، وإلى السيد والي ولاية الخرطوم ، نرجو منهما التدخل العاجل للنظر في هذه القضية ميدانياً ، والاستماع إلى أولياء الأمور ، والوقوف على حقيقة القرار وأبعاده .
إن تغيير صفة المدرسة أمر لا اعتراض عليه من حيث المبدأ كما أسلفنا ، إلا أن اتخاذ قرار أهوح مثل هذا القرار دون أن يضع أدنى إعتبار لأصحاب الحق الأصيل وهم التلميذات اللائي يدرسن فيها يمثل إنتحاراً إدارياً ، وخطأ جسيماً .
مثل هذا القرار إذا ثبت أنه صدر دون سند قانوني واضح أو دون مراعاة الإجراءات الصحيحة ، يمكن إيقافه بكل سهولة أمام أي محكمة إدارية ، لأنه يفتقر إلى المسوغ القانوني والإجرائي .
إن قضية مدرسة الأندلس (9) تمثل اختباراً حقيقياً لمدى احترام مؤسسات الدولة لحقوق المواطنين وحق الأطفال في التعليم الآمن والمستقر .
الأطفال أمانة في أعناقنا جميعاً ، وعلى الدولة حمايتهم ، وأي قرار يمس مستقبلهم يجب أن يُتخذ بعقل الدولة الرزين ، وليس بالأهواء الشخصية
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
