☘️🌹☘️
هناك رجال تمر بهم الدنيا ولا يتركون أثراً في ذاكرة زمانها ، ويمرون بها مرور الكرام ، ولا يشعر بهم أحد ، وهناك قلة قليلة من الناس تمر بهم الدنيا فيضعون فيها علامة لا تمحوها السنين ، فأولئك لا يمكن أن نقول عنهم إنهم رحلوا حتى إذا سجلو غياباّ عنها ، لأن حضورهم فيها يقاس بما يتركونه من أثر في الناس ، ومن نور في الطرقات .
الأيام تقول إن هناك أناس أمثال الشيخ محمد سيد حاج ، والبروفيسور يونس عبد الرحمن إسحاق قد غادرا هذه الفانية ، إلا أنهما في الحقيقة ما يزالان يعيشان بيننا بأعمالهما وسيرتهما الطيبة ، ونحن نذكرهما في كل يوم كما نذكر الأحياء لأنهم حقيقة معنا ، فبعض الناس لا يغيبون عن دنيانا بعد رحيلهم ، لأنهم زرعوا من الخير ما يجعلهم حاضرين في كل لحظة وفي كل مكان ، فنجد أن هناك من يعيش بين الناس وهو غائب ، وهناك من يرحل عن الدنيا ، ولكنه يبقى حاضراً في كل تفاصيلها .
وها هو بروف يونس نذكره كما نذكر الأحياء ، وربما أكثر ، لأن أثره باقي في دواخلنا ولا يزال بشكل حضوراً قوياً في حياتنا ، نتذكره في كل طالب علم درس على يديه ، وعند كل مريضٍ مسح عنه الألم ، وفي كل مؤسسة قامت على فكرته ورؤيته ، وهكذا تبقى ذكرة الصالحين والعلماء الذين عاشوا للناس ، وظلت سيرتهم حديث المجالس ومصدر إلهام الأجيال من بعدهم ، لأن حياة الإنسان الحقيقية مقياسها بما يتركه من خير بعد رحيله ، فالرجال الذين وهبوا أنفسهم للعلم وخدمة الناس لا تنتهي قصة حياتهم عند لحظة الرحيل ، لأن ما بنوه من معرفة وما غرسوه من قيم تظل ممتدة عبر الزمان ، وهكذا يكون الأثر الصادق (شهادة حية) على أن صاحبها عاش لغاية أكبر من ذاته .
ولعل أعظم ما يتمناه الإنسان أن يبقى ذكره بين الناس بالخير حاضراً ، وأن يستمر نفعه بعد أن يطوي العمر صفحته ، فكم هو جميل أن يصبح الإنسان موجوداً في دعوات الناس ، وفي أعمال ما زالت تنفعهم ، وفي أجيال تحمل من بعده رسالة ذات نفع عام يستفيد منها كل الناس .
نسأل الله أن يرحمه برحمته التي وسعت كل شيء ، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته ، وأن يبارك في عقبه ، وأن يحفظ أهله ويجزيهم عنه خير الجزاء ، وأن يجعل أثره الطيب ممتداً بين الناس كما أراد ، نوراً يهدي وخيراً لا ينقطع .
فبعض الناس لا يختفون من الحياة عند رحيلهم إلى الدار الآخرة ، لأن حضورهم الحقيقي يبدأ حين يدرك الناس مقدار ما تركوه وراءهم من نفع للناس .
رحم الله يونس عبد الرحمن، فقد عاش للناس فبقي حياً في قلوب الكثيرين ، وقد سجل رغم غيابه الحسي عنا حضوراً قوياً في دفتر الأحياء .
