☘️🌹☘️
قد يذهب الظن بالبعض إلى أن الكتابة عن مؤسسات بعينها ليس سوى ضرب من ضروب الدعاية أو التلميع ، غير أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك ، فالتاريخ لا يجامل أحداً مهما كان موقعه ، و يقف دقيقاً وأميناً في تسجيله مواقف الصمود الناتجة من أفعال الذين يختارون البناء في الوقت الذي يكتفي فيه غيرهم بالانتظار .
لقد أثقلت الحرب كاهل الخرطوم وأهلها ، وبدت العاصمة وكأنها مدينة أشباح تلتقط في أنفاسها بعد محنة وتجربة كانت قاسية وكلفت الشعب ثمناً غالياً يصعب نسيانه ، وحينها برزت نماذج تستحق أن نتوقف عندها، لأنها حولت الحلم إلى فعل ، ومن بين هذه النماذج إحتل فندق الرياض سيزون الصدارة بإعتباره أول فندق يعود للعمل من قلب العاصمة بعد النصر الذي حققته قواتنا المسلحة في دحر المليشيا وأعوانها ، فأرادت إدارة الفندق أن ترسل رسالة عملية مفادها إن الحياة قادرة على النهوض إذا كانت هنالك إرادة حقيقية .
وليس غريباً أن يكون هذا الصرح الصامد على هذا القدر من التماسك ، وخصوصاً أن مؤسسه هو الشيخ ساتي صالح ، أحد أبناء دنقلا العجوز ، وقد سطر اسمه في سجل الاغتراب الوطني ، فهو مؤسس الجالية السودانية بالمملكة العربية السعودية عام 1951 ، في وقت كان فيه العمل العام يعتبر مسؤولية ضخمة ، وليس وسيلة للوجاهة الإجتماعية كما الآن .
لقد نال هذا الفندق شرف الحصول على الترخيص رقم (1) بعد الحرب ، وكانت بدايتة من العدم تقريباً فقد طالته يد النهب والتخريب الممنهج ، وتعطلت فيه كل مقومات الحياة والتشغيل من مياه وكهرباء وبنى خدمية ، ومع ذلك، استطاعت إدارتة الرشيدة أن تخلق (من الفسيخ شربات) كما يقول المثل الشعبي ، وكان ذلك بعزيمة واضحة ، فأعادوا تأهيل 42 غرفة ، وما زالوا في سعيهم لإدخال 80 غرفة خلال الربع الأول من هذا العام ، ليبلغ العدد الكلي 120 غرفة ، في إنجاز كبير يجب ان يُحسب لهم ، لأنه أتى في ظرف استثنائي .
واليوم أصبح الفندق هو المنشأة الوحيدة التي تستقبل زوار ولاية الخرطوم من مختلف أنحاء السودان ، في وقتٍ ما تزال فيه المدينة تتعافى ببطء ، وهو ما يجعل من الواجب على الدولة أن تبادر بتيسير كل ما من شأنه دعم هذه التجربة التي تحدت الظروف ، ولا بد من ضمان استمراريتها ، بوصفها جزءاً من معركة الإعمار وإزالة أثار الحرب .
لا يقف دور هذا الفندق عند الإيواء ، فهو صرح متنوع يحتوي على مطعم سياحي ، وساونا ، وحمام مغربي ، وصالة ألعاب رياضية مخصصة للجنسين ، إلى جانب مركز تجميل خاص بالنساء ، ويندرج هذا في باب المحاولة الواعية من إدارة الفندق لإعادة ملامح الحياة إلى طبيعتها مثلما كانت قبل الحرب ، وأيضاً تم تجهيز صالتين للمؤتمرات ، فضلًا عن سعي الإدارة الجاد في تنظيم برامج خاصة خلال شهر رمضان المعظم ، تعكس حرصًهم على البعد الاجتماعي والروح الجماعية .
إن ما قامت به إدارة فندق الرياض سيزون يعتبر رسالة وطنية واضحة لمواطني ولاية الخرطوم في الشتات مفادها أن الخرطوم ستظل عاصمة آمنة و هي الآن طريقها للتعافى ، وأن العودة إليها يجب ألا تكون قراراً مؤجلاً ، ولابد من المشاركة في التعمير ، ومحو آثار الحرب ، وبناء ما تهدم بالإرادة قبل الإسمنت والطوب .
لقد إجتهد السيد أحمد عثمان حمزة والي ولاية الخرطوم في حث أهل الخرطوم للعودة ، ويجب أن يعلم الجميع أن الحياة لن تدب في الخرطوم إلا بسواعد أبنائها ، ونقول لهم عودوا لان الخرطوم تستحق المحاولة فهل هنالك من يسمع هذا النداء .
