تأبى بعض الديار إلا أن تظل كما هي ، تتعامل بأصول أهلها ، فهي ما زالت منارات للأمل والإنسانية ، كما في محلية الدبة، التي تتوشح نفسها بأوسمة الكرم ، والشهامة ، والإباء .
في مؤدبة غداء متواضعة جداً بعيداً عن التكلف ، إستقبل السيد محمد صابر كشكش المدير التنفيذي لمحلية الدبة والي ولاية شمال دارفور السيد الحافظ بخيت محمد ، الذي كتب الله له النجاة بعد أن ظل مرابطاً في ميادين الصمود بفاشر السلطان ، يواجه الحصار ، إلى أن فآجأهم الاعتداء الجوي الغاشم الذي أستخدمت فيه أسلحة محرمة دولياً ، فسهلت للمليشيا أن تعبث بسلام دارفور وأمنها .
كان اللقاء بسيطاً في مظهره ، لكنه عظيمٌ في معناه ، فقد جلس الناس على مائدة جمعت القلوب ، قبل أن تجمعهم على الطعام ، وببساطها حولت اللقمة إلى رسالة محبة وسلام .
لقد عبر المدير التنفيذي الشاب محمد صابر كشكش في تلك اللحظات عن معدنه السوداني الأصيل ، فكان بحق أُس للكرم الأصيل ، ووجهاً مشرقاً للحفاوة التي تميز بها أهل الدبة عبر الأزمان .
ولم تكن تلك المائدة العامرة بالود والكرم لتخلو من الحضور الوطني الأصيل ، إذ شرفها الأستاذ الإعلامي السامق والوزير السابق حسن إسماعيل ، صاحب الكلمة الحرة الذي ظل مقاتلاً شرساً بسلاح الكلمة ، ومرابطاً عنيفاً في خنادق الإعلام بصوته الواثق حمل رسالة الوطن في أحلك الظروف ، فكان هو ذاك الضرغام الذي لا يساوم على الحقيقة في أحلك الظروف .
محلية الدبة كما عهدناها ، فهي مقصد تلقائي يقصدها الناس بعفوية لأنها موطن للكرم ، فقد فتحت ذراعيها للنازحين الهاربين من جحيم الحرب من كل مدن السودان ، لم تفرق يوماً بين غريب ومقيم ، ولا بين قادم أو عابر أو ساكن ، لأنها جعلت من إنسانيتها عنواناً لكل ضيوفها ، ومن عاداتها الطيبة وطناً لكل مكلوم .
إنها الدبة التي توقد دفء الأمل في القلوب ، وتقول للعالم صه لما أقول : (ما زال في السودان من يفتح أبوابه رغم الخوف ، ويبتسم رغم الألم) .
نحمد الله على سلامة والي شمال دارفور الذي كتب الله له النجاة من الموت المحقق ، ونسأل الله أن يُعيد المفقودين سالمين إلى أحضان ذويهم ، وأن يشفي الجرحى ، وأن يرحم الشهداء الذين سقوا بدمائهم تراب هذا الوطن الغالي .
هذه اللحظات القصيرة التي قضيناها بمدينة الدبة في هذا اللقاء لقد أبكت العيون بحق ، ولكنها أعادت للروح يقينها بأن الخير لا يُقهر ، وأن الكرامة لا تموت ، وإن النصر وإن تأخر آت لا محالة .
سلام على الدبة وأهلها الكرام ،
سلام على من ظل يغرس الأمل في أرض الألم ، وسلام على كل قلب سوداني لا يزال يحب الخير للغير رغم الجراحات .
و .. إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم .
نصر من الله و فتح قريب و بشر المؤمنين
