☘️🌹☘️
في عالم تزدحم فيه الأصوات وتضطرب فيه الأهواء ، قليلون هم الذين يعرفون متى يتكلمون ، وقليلون أكثر من يعرفون متى يصمتون .. فمحمد عبد الصمد صالح كِفلي ، عميد أسرة النصراب بالبار أم درق ، كان من أولئك الذين أتقنوا فن الحكمة في زمنٍ عزّ فيه الحُكماء .
أربعة أعوام كانت كأنها دهر ، عامان من غيابٍ صامت ، وعامان آخران من حربٍ على جبهاتٍ متعددة ، حرب المشاعر ، وحرب المواقف ، وحرب الحفاظ على ما تبقّى من روابط أسرية كادت أن تُفككها ألسنٌ غليظة وآراءٌ شاذة إستسهلت إشعال الفتنة .
وفي خضم هذه الزوابع ، اختار العم محمد عبد الصمد موقفاً نادراً ، لا يعرفه إلا الكبار ، فهو ليس انسحاباً ، بل ارتقاء . لم يشأ أن يكون طرفاً في مهاتراتٍ قد تُسقِط من رصيد الحكمة في قلوب الناس ، فآثر الصمت ، وهو يعلم أن في الصمت بلاغةً لا يدركها إلا من نضجت رؤيته ، ورقّ وجدانه ، واشتدّ عوده على المحن .
فقلبه لم يغادر الأسرة الكبيرة يوماً ما ، و لكنه آثر البُعد الجسدي ، حتى لا يتورط فيما قد يشتت ولا يجمع ، وفي صمته كان الحضور أبلغ ، غاب الجسد ، لكن ظلت سيرته حاضرة في دواوين الذاكرة ، وأحاديث المجالس ، وتنهيدات الحنين و تحت ظلال الشجر .
واليوم وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ، يعود العم محمد إلى جلاس البار أمدرق ، يعود كما يعود الغيم بعد الجفاف ، و كما يعود الجدول إلى مجراه ، وكما تعود الظلال إلى الجدران بعد طول غياب الشمس ، لم تكن عودته حدثاً عابراً ، و لكنها أشبه ما تكون بالعرس الأسري ، فرحاً ، واحتفاءً ، ودموعاً مضمخة بالرضى .
وكان للخال السر عبد الرحيم ، كما يعرفه الجميع ، دور الأسد في هذه العودة ، حيث شق الطريق للصلح ، وبسط جسور العبور من الفُرقة إلى الوصل ، فكان ما كان من رجعة أعادت التوازن الي القرية ، ورتقت ما تمزق من نسيج الاسرة ، وفتحت أبواب الأمل لزمن جديد .
لقد ترك محمد عبد الصمد فراغاً عميقاً في دنقلا ، ورحل تاركاً أبناء أخيه بابكر : راشد و جار النبي و أسرتيهما في حزنٍ مقيم ، و لكن العزاء أن العودة قد تمت ، وأن الحكمة عادت لتجلس في صدر الديوان الكبير ، وأن كبير الأسرة قد عاد ليجمع لا ليفرق، ويصل لا ليقطع .
نأمل بل نوقن ، أن ما مضى قد مضى ، وأن الصفحة قد قُلبت بما فيها ، وأن الأفق مفتوحٌ لحياةٍ تحت ظل رجل عظيم ، صقلته التجارب ، وزينته النصيحة ، وباركته القلوب .
وكما يقول المثل الشعبي : (الما عنده كبير ، يشتري ليهو كبير) . ولحسن حظ النصراب ، فإن كبيرهم لم يشتر ، بل ولد بينهم ، وعاد إليهم ، بعد أن علم أن الجذور ، وإن طال بها الفقد ، لا تنسى التربة التي تربت فيها .
