:☘️🌹☘️
في مدينة دنقلا ، و على تخوم الزمن المتعثر ، طفحت على السطح جريمة لم تكن في ظاهرها سوى شجار عابر على أجرة شهرية لتكتك ، لكنها في حقيقتها ناقوس خطر دق بشدة في عمق الضمير الجمعي ، فهي جريمة لا يرقى دافعها إلى حجم الدم المسفوك ، و لا يستقيم فيها منطق القتل مع بساطة الخلاف ، جريمة من أجل اللاشيء .
شابان كلاهما من هامش الحياة ، أحدهما وافد بسبب الحرب ، يحمل جراحاً لا تُرى ، والآخر سائق تائه في دوامة الحاجة و العوز ، لا يوجد بينهما خلاف سياسي ، و لا دافع أيديولوجي ، و لا ثأر قديم ، فقط أجرة شهرية تأخرت بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها كل الناس هذه الأيام ، فتأجج الغضب ، وسقط ميسرة قتيلاً في الخلاء ، و جسده بارد ، و روحه معلقة بأسئلة لا إجابة لها .
هل هذا حقاً زمن القتل من أجل فتات مبلغ لا يسمن و لا يغني من جوع ؟ ، كيف انزلقت أرواحنا إلى هذا الدرك ؟ ، و ما الذي يجعل الإنسان يُجهز على إنسان مثله لأن ديناً لم يُسدد في موعده ؟ ، أهي الحرب التي شردت ، أم الفقر الذي طحن الكرامة ، أم هو تآكل القيم الذي جعلنا نُصغي للغضب أكثر من صوت العقل ؟ .
إنها جريمة لا تثير فقط الحزن ، و لكنها تبعث الرعب ، لأن القاتل لم يكن مجرماً محترفاً ، ولا مأجوراً ، بل شاباً عادياً ، يعيش بيننا ، يُفترض به أن يشاركنا ذات الهموم و المآسي ، و لكن نار الغضب إشتعلت عنده في لحظة ، و أنطفأ عند ضحيته ضوء الحياة ، دون أن يرتعش عنده للعقل جفن .
لقد قامت شعبة مباحث الولاية بدورها بكفاءة و إحترافية متناهية ، فككت الطلاسم سريعاً ، و إقتادت الجاني ، و إستعادت الجثمان ، لكن دورنا نحن كمجتمع يبدأ الآن ، نحن من يجب أن نتوقف طويلاً عند هذه الحكاية ، لا كقصة جريمة معزولة ، بل كعلامة حمراء على جدار الصمت .
أليست هذه بداية فصل جديد من فصول الجريمة التي تقع بلا مبرر ، و بلا شرف ، و بلا سبب وجيه… فقط لحظة عتمة في النفس ، تفضي إلى دماء في التراب ، نحن أمام خطر أكبر من حادث فردي ، نحن أمام تصدع مخيف في منظومة الأخلاق ، و علينا أن نقرع الأجراس قبل أن نصحو ذات يوم على الموت الذي أصبح أقرب إلينا من أي خلاف لفظي .
رحم الله الشاب ميسرة و نسأل الله أن يتقبله في سجل الشهداء ، و أن ينزل غيثاً من السكينة على قلوب أهله المكلومين ، فقد رحل مظلوماً لا ذنب له ، و لكن تبقى هذه الجريمة محفورة في وجدان جميع أهل دنقلا تحمل في طياتها الدهشة و الأسى ، لا كحادثة عابرة ، و لكن كجرس إنذار مؤلم يدعونا للتأمل في ما آلت إليه نفوسنا ، و يُسلط الضوء على خطورة التحول الاجتماعي العنيف الذي يُفضي إلى جرائم ليس لها دافع منطقي أو مبرر ، و يطرح أسئلة عميقة حول الانهيار القيمي و الإنحدار الأخلاقي الذي وصلنا إليه .
لقد هزت تفاصيل هذه الجريمة الضمير المجتمعي ، و كشفت أن هنالك خللاً عميقًا في المجتمع لا يُعالج بالقانون وحده ، بل بإحياء الوعي ، وإسترداد الإنسان الذي ضاع منا في زحام الحرب و الحاجة و العوز و التجاهل .
و لا يفوتنا أن نرفع القبعة لشعبة مباحث الولاية الشمالية بقيادة الشاب المقدم عاطف عوض ، و التي أثبتت أن اليقظة و الاحترافية لا تعترف بعامل الزمن ، فقد تمكنت ، في وقت قياسي من إماطة اللثام عن جريمة قتل معقدة ، لتعيد للعدالة بريقها ، و للدولة هيبتها وتُسكت أصوات الظلام التي علت معها عبارات نشاز ك(كنداكة جات بوليس جرا) ، و التي كانت تسعى لتجريف الشرطة السودانية ، إن هذا الإنجاز ليس مجرد كشف لغموض جريمة ، بل هو رسالة واضحة بأن الأمن و العدالة لا يزالان بخير ، طالما أن هناك من يضعون الأمانة و الإنسانية نصب أعينهم .
فلنصغ جيداً لما تقوله هذه الجريمة ، ليس عن القاتل فحسب ، بل عناً جميعاً .
و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
