☘️🌹☘️
مراغة تلك البلدة الوادعة التي تحتضنها ضفة النيل الغربية كما تحتضن الأم وليدها ، فقد شهد الشمال يوماً من أيام العز و الفرح فيها ، إنه يوم تأريخي تمايل فيه جريد النخيل فرحاً ، و رفرفت فيه أرواح الناس كبرياءً كما الأعلام في الأعياد الوطنية ، هناك في القلب النابض من أرض الكرم ، توشحت مراغة في هذا اليوم بثوب زاهي ، كان بلون الفرح ، و الكرامة ، و العطاء .
ثلاثون زيجة ، أي ثلاثون بيتاً جديداً إنفتح على أمل عظيم في كرنفال لم يكن كغيره من المناسبات ، لأنه كان إعلاناً صارخاً ، أن التكافل الإجتماعي بين أهل السودان لم يمت ، لأنه كان في سبات قصير ، و ها هو يعود على أيدي رجال مراغة ، أصحاب الهمم العالية ، ليصبح واقعاً معاشاً يحتذى به ، لا حلماً يُتداول في المجالس .
و قد شرف هذا الكرنفال بحضوره الرفيع و الأنيق ، إبن مراغة البار ، والي الولاية الشمالية سعادة الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم ، في دلالة رمزية عميقة تؤكد أن القيادة حين تخرج من رحم الناس ، لا تكون بعيدة عن همومهم ، و تشاركهم أفراحهم كما تشاركهم البناء .
و لم يكن هذا الفرح وليد اللحظة ، بل كان عبارة عن فكرةً صغيرة حملها أوفياء مراغة ، و سقوها بإصرارهم حتى أينعت حلماً بهياً ، و إستوت على ساق الفعل و الإنجاز. ، و ما بين الفكرة وتحقيقها ، كُتبت فصول من التعاون و التخطيط و العزيمة. حتى أدق التفاصيل ، من هندسة المكان و زينة الصيوان الشامخ بحجمه المهيب ، إلى اللمسات التنظيمية المحكمة التي حملت توقيع الإبداع و الذوق السوداني الأصيل .
وفي تلك الحظةٍ كان يُفترض أن يكون فيها في مقدمة الصفوف شاب من أميز شباب مراغة ، كنا نتمنى أن نراه كعادته ، يربت على أكتاف العرسان و يضبط التفاصيل الأخيرة بيده الحانية ، و لكنه سجل غياب في دفتر حضور الفرح ، إنه تمبيسه، الذي رحل كجسد، وبقي أثره بين الناس ، لقد كان الفقد فادحاً ، و فرحة مراغة إكتملت في ظاهرها ، و لكنها في الجوهر كانت منقوصة و جوفاء لغياب الرجل ، فحزن نبيل خيّم على الكرنفال بهذا الفقد المهيب ، كأن مراسم وداعه تحولت إلى جزء من الاحتفال ، حيث إمتزج البخور بعَبَرات العيون و سيل الدموع ، و تحول العزاء إلى مديح لرجل شارك حتى آخر لحظة من حياته في صناعة هذا الفرح ثم رحل قبل أن يراه ، و يا لفراق تمبيسه الذي لم يُشيع فحسب ، و حمله الناس على الأكتاف كما يُحمل الأبطال ، و رافقه الحب إلى مرقده ، و كأن مراغة بأسرها كانت تقول له : لقد أنجزت المهمة ، فارقد بسلام .
في هذا المهرجان كل شيء كان جميلاً و مرتباً ، حيث رسمت شركة الوسيم مراسم الإحتفال بريشة فنان له خبرة فكانت الراعي الرسمي لهذا الكرنفال ، و أيما إبداع كان ، فبصمتها لم تكن مجرد رعاية ، بل كانت عبارة عن مشاركة وجدانية ، تُعبّر عن دور القطاع الخاص حين ينهض بمسؤولياته المجتمعية. و كم كان لافتاً ذاك (الفنّان) المتخصّص بالمناسبات بروعة معداته و تشكيلات صيواناته .
فمراغة اليوم بكرتفالها المهيب مثلت شمال السودان بأكمله في إكرام ضيوف هذا الفرح ، و ربما مثلت الوطن كله في نسخته النقية ، في زمن أنهكته التحديات ، فقدمت هذه المبادرة كدرس حي يعلمنا أن إرادة الشعوب يمكنها أن تُعيد صياغة حاضرها ، لا بالخطب بل بالأفعال .
تحية عظيمة إلى رجال مراغة ، و إلى نسائها ، و إلى شبابها و شاباتها ، و إلى كل من آمن أن الخير لا يُصنع إلا بالجماعة ، و أن الفرح الحقيقي هو ذلك الذي يتقاسمه الجميع ، و تحية خالصة و خالصة إلى القيادات التي شاركت ، لا بظهورها فقط ، بل بحضورها القلبي و الوجداني ، وتحية إلى مراغة الكرم ، و العز ، و العطاء .
مراغة اليوم صنعت للتأريخ حدثاً جميلاً ، و كتبت في أضابيره رواية فريدة سيقرأها أبناء الوطن يوماً ما ، و سيقولون بكل فخر من مراغة عاد السودان إلى ذاته .
و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
