☘️🌹☘️
في صبيحة يوم 15 أبريل 2023م ، و في تمام الساعة التاسعة صباحاً ، و في ذاك السبت الأسود تغيّرت ملامح الخرطوم الجميلة و تم تشويهها عمداً، حين انطلقت شرارة الحرب و تشققت جدران الأمان ، فلم يكن أحداً من الناس يتخيل أن حي كافوري ، ذاك الحي الوادع ، الواثق بذاته ، سيكون من أوائل المسددين لفاتورة الحرب ، فالبيوت نُهبت بلا رحمة ، و الجدران التي كانت تحفظ الأسرار أُسقِطت بدون مبررات ، و كل ذلك كان بحجة واهية و هي : أنهم (فلول) ، و (كيزان) ، لكن رغم الجراحات الغائرة ، لم يمت الحي ، فالخطر قد يطفئ النور ، لكنه لا يطفئ الروح .
و من عمق هذه الأزمة ، و من بين ركام الألم ، و وسط صخب الفقد ، نهضت مبادرة مستقبل كافوري كأمل يُخيط من بقايا الخيوط المتناثرة عباءة للعودة والكرامة ، و لأن كافوري ليست مجرد حي كبقية الأحياء ، فهي (الوطن الأصغر) كما يحلو للدكتور الضوي أن ينادي بها ، فإن العودة إليه ليست مجرد رجوع إلى بيوتنا ، و لكنها عودة إلى الحياة ، و إلى الطمأنينة ، و إلى الذات ، و الذكريات .
إجتمع أبناء الحي ليكتبوا حكاية من نور و نار ، على الرغم من أنهم متفرقين في الشتات داخل و خارج السودان بسبب الحرب ، ولكنهم متوحدين في الأمل ، فهبوا هبة رجل هميم ، و لم ينتظروا دولة ، و لا منظمة ، بل صنعوا الدولة بأخلاقهم ، وأسسوا المنظمة بقيمهم ، و ولدت مبادرة مستقبل كافوري ، و ما كانت لتقوم لولا هؤلاء الشباب الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فعملوا لله ، لا لمكسب ، وسهروا على أمن و سلامة بيوتهم ، لا لموقع يتحيزوه لانفسهم .
بدأت الخطوة الأولى بتأمين الحي من جميع مداخله بمشاركة الشباب الذين ضحوا بحياتهم ، ثم وُفروا مساكن لعودة الأهل لمن يريد ، و تم توفير الكهرباء والماء في هذه الأماكن المؤقتة التي تم تخصيصها للناس حتى يعم الامن ، و لم يعتمدوا على الشبكات الحكومية المعطوبة ، وتم ذلك عبر جهود شاقة لتوفير مولدات ، فالبيوت المغلقة فُتحت للصيانة ، والأبواب المخلعة أُعيد تركيبها بأيد نذرت نفسها للترميم .
و لأن الحماية لا تكتمل إلا بالردع ، استعانوا بالشرطة المجتمعية بأسرع وقت ممكن ، وأعادوا فتح قسم شرطة كافوري عبر دعم مادي و معنوي خالص من أبناء جميع مربعات كافوري .
لم تقتصر الجهود على الأمن والخدمات ، بل تأسست مبادرات متخصصة ، طبية، و صحية ، و إستشارات هندسية ، و قانونية ، و تعليميه ، و كلها تهدف إلى تمهيد الأرض لعودة السكان ، و كذلك تم إعادة تأهيل مراكز صحية ، و عيادات متنقلة جهزها أبناء المباردة من أطباء كافوري الشباب ، و بدأت تباشر عملها في صمت ، و جدية .
اللجنة القانونية أعدت لوائح تنظم الإيجارات ، و الحراسات ، لمنع أي فوضى مستقبلية قد تسيء إلى نسيج الحي الإجتماعي .
بدأ حفر الآبار في بعض مربعات كافوري ، و جهّزت مصادر الماء بمضخات ، و كما تمت سقية الأحياء أيام العطش عبر (التناكر) و كان ذلك في شهر رمضان المعظم ، بدعم من مشرفي المربعات ، و نحن نسجي أسمى آيات الشكر و العرفان لشباب مبادرة مستقبل كافوري ، و يجب أن يعلم الناس أن الإستقرار لا تصنعه مجموعة محدودة فقط ، بل يُبنى بتعاضد الجميع ، و لذا نهيب بكل الخيرين من أبناء الحي ، و من خارج أسواره ، و ندعوهم ليقفوا معاً من أجل توفير المال الكافي لما تبقى من مشاريع حديثة ، و كذلك تجويد القائم منها ، و تذكروا حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : (مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّىّّ) رواه مسلم .
فالحاجة ماسة لإنارة الشوارع حتى يشعر السكان بالطمأنيينة ، و كذلك لابد من إنارة المساجد ، و المراكز الصحية الثابتة بالطاقة الشمسية ، و لا بد من إستمرار الوحدات الصحية المتنقلة .
كافوري ، الوطن الأصغر ترفع صوتها ، و تنادي أبنائها للإسهام في رتقع نسيجها الإجتماعي بالتكافل ، و خصوصاً ان الدولة لها ما يشغلها عن هذه التفاصيل الدقيقة ، فكل دعم يُقرب لحظة العودة الآمنة إلى مربع 1 ، 3 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 11 ، 12 و بقية المربعات الأخرى .
فالشكر الجميل و الجزيل لشباب المبادرة و لكل أولئك الذين ساهموا و ما زالوا ، و هم لا يطلبون من أحد جزاءً و لا شكوراً و يعملون بصمت شديد ، و هم يزرعون في الأرض أملاً ، و يعلّقون في سماء كافوري نجمة جديدة في كل يوم ، لهم منا كل التقدير و الاحترام و خالص الدعوات الصالحات .
كافوري لن تموت… طالما أبناءها أحياء بالكرامة .
