في الأيام القليلة الماضية ، عاش أبناء شعبنا السوداني ، وخاصة في الإقليم الشمالي بحجمه الكبير تجربة جديدة من الهجوم إستخدم فيها العدو مسيرات أكثر حداثة لهدم البنية التحتية و الإضرار بمصالح المواطنين ، و حقيقة هذه التجربة مقلقة جداً ، و قد تنذر بمرحلة جديدة من التحولات العسكرية غير التقليدية التي كنا نعرفها في السابق ، إنها هجمات لم تعهدها ساحة الحرب من قبل ، إستخدم فيها العدو أدوات قتالية أكثر حداثة و لا تشبه ما اعتدنا عليه منهم ، إنها مسيرات غريبة لقد كتبت عنها في مقال سابق نشر قبل 9 أشهر بعنوان : (حرب المسيرات و الاقتصاد ، أبعاد جديدة للصراع في السودان ، هل هي فرفرة مذبوح ، أم فجة الموت) ، و هذه المسيرات تعمل وفق منظومة تكنولوجيا حديثة ، تمثل تطوراً ملحوظاً في أساليب الهجوم ، إنها مسيرات قد تكون أقل تأثيراً في القوة التدميرية ، و لكنها تنفذ أهدافها بصورة أدق من نوعية المسيرات الأخرى ، ثم تختفي كأنها لم تكن .
ما يجعل هذه الهجمات أكثر رعباً هو حجم التباين بين الشراسة العسكرية في التنفيذ وسرعة التفجيرات المحدودة التي يتم تنفيذها. فالهجوم الجديد يتسم بسرعة و دقة عميقة ، و هذا النوع من الطائرات المسيرة التي استخدمها العدو في ضرب مطار دنقلا ، و سد مروري، ومدينة الدبة ، مما يمثل نقلة نوعية في أسلوب الهجوم ، حيث تنفذ المسيرة المهمة و تعود أدراجها إلى حيث أتت و كأنها لم تكن ، تاركة وراءها دماراً في البنى التحتية و طارحة العديد من التساؤلات .
و لكن في وسط هذه العتمة ، يجب أن لا نغفل عن حقيقة جوهرية و هي أن هجمات المليشيا لا تستهدف الجغرافيا فحسب ، بل هي محاولة لزعزعة يقيننا وعزيمتنا ، و لذلك يجب علينا أن نعترف بإننا أمام مرحلة جديدة من الصراع تستلزم منا وقفة تأمل و جرعة وعي ، فالعدو لم ينقض علينا بأدواته المعروفة لدينا ، بل إعتمد على الابتكار بمعاونة شركائه الذين وفروا له هذه التكنلوجيا الحديثة ، و نحن أمام تحد مصيري .
و يجب أن نعلم أن التفوق في هذه الحرب لا يتوقف على القوة العسكرية فحسب ، بل يتعداها إلى مستوى الوعي الشعبي المتقدم الذي يمكنه من القدرة على فهم بواطن الأمور ، و لا بد أن يكون الشعب على دراية بكل ما يحدث حولنا ، حتى يتمكن من الرد بفعالية ، و التصدي لهذا لتكتيك المتطور ، و خصوصاً نحن شعب يعرف بقوته وصلابته ، و مصدر قوته يكمن في قدرته على التكيف مع المتغيرات ، و خصوصاً أن هذا الشعب يتمتع بوعي يمكنه من قراءة المواقف بكل دقة وعمق ، و يجب أن يعلم أن حجم التحديات التي تواجه البلاد اليوم تتطلب منه الوحدة و التكاتف ، و نبذ الخلافات ، و هذا هو سلاح الأول الذي يمكن أن يخلق من الوعي و الوحدة قوة لا تقهر .
و كذلك لا يمكن أن نتجاهل ما تطرحه حقائق الواقع من تهديدات ، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشخصية المشؤومة (عبد الرحيم دقلو) ، الذي أظهر نفسه بأفعاله الجائرة في مختلف المراحل التي عرفانها فيه ، و لقد تجلى لنا ذلك في خطابه الأخير في نيالا ، الذي تبجح فيه وتوعد ولايتي نهر النيل و الشمالية ، بما لا يحمد عقباه ، و كان مركزاً على فرض قوته عبر كلمات فارغة و لكنها كانت ذات مغزى عميق ، فجرأة الرجل في حديثه بتلك النبرة ، تؤكد أن القوة التي يتفاخر بها اليوم هي قوة جديدة ، مستمدة من مصادر غير تقليدية ، وهو ما يجعل تهديداته أكثر خطورة وأثقل وقعاً .
إن هذا السلاح المتطور الذي إستخدمته المليشيا ( المسيرات الاستراتيجية) ليس سلاحاً عادياً ، و من الصعب أن تمتلكه مليشيا أو مجموعة مسلحة غير منظمة ، لانه هو سلاح تقني متقدم ، يتطلب بنية تحتية متطورة و إمكانات لوجستية كبيرة ، لا يمكن أن تكون تحت تصرف عناصر عسكرية غير نظامية ، و لهذا علينا أن نكون حذرين في تقدير هذا التهديد الجديد ، فهو دليل على استراتيجية جديدة قد تكون قادرة على تغيير مسار المعركة في مناطق عديدة .
الدولة و قوات الشعب المسلحة و المواطنون قادرون على مواجهة هذا النوع من الهجمات ، و لهذا يجب على قيادات القوات المسلحة السودانية و المقاومة الشعبية أن يرفعا من مستوى جاهزيتهما وتفكيرهما الاستراتيجي ، فإن النجاح في مثل هذه المواجهات لا يتوقف على الرد التقليدي ، بل يتطلب التكيف مع الأساليب المتقدمة و القدرة على تطوير أسلحة وتقنيات مشابهة ، و أكثر تطوراً من العدو ، و ذلك لن يتأتى إلى بانتهاج طريق البحث العلمي و التطوير العسكري في مجابهة هذا النوع من السلاح ، و نفخر بأن لدينا علماء من شبابنا في هذا المجال و مشهود لهم في العالم ، و لذلك على القيادة إستدعائهم بصورة رسمية و فتح أبوابها لهم و الإستفادة من علمهم ، و هم شباب قادرون على تقديم ما هو أفضل من العلوم و الحلول المبتكرة ، و أمر حاجة الدولة لهم أصبح أمراً حتمياً ، و إيجاد الحلول لهذه المعضلة لن يستغرق زمناً طويلاً ، و هذا يمكن أن يكون بالتزامن مع تفاكر الدولة مع أصدقائها من الدول المتخصصة في هذا المجال : كالصين ، و تركيا ، و الهند ، و باكستان ، و مصر ، فإن مواجهة هذه الحرب لا يتطلب فقط القوة العسكرية ، بل يجب علينا اصطحاب القوة الدبلوماسية الناعمة ، و الذكاء الاستراتيجي ، و الإبداع في التفكير ، الذي يمكن من المقدرة على الاستفادة من كل أداة تكنولوجية قد تسهم في تحقيق النصر .
و نصر من الله و فتح قريب و بشر المؤمنين .
