19.2 C
Khartoum
الأحد, مارس 1, 2026

همس الحروف .. العيد في زمن الحرب ، بين الفرح و التحدي عند مجموعتي لمتنا الحلوة و صدى الشمال .. د. الباقر عبد القيوم علي

*في زمن تعصف فيه الحروب والمصاعب ، حيث يتناثر الأمل وسط رياح اليأس ، يجد الإنسان نفسه في مواجهة مستمرة مع تحديات الحياة ، و مع ذلك ، يمكن للأعياد أن تحمل لنا بصيصاً من الأمل ، و كثيراً من التفاؤل ، و تعيد إلى النفوس شيئاً من الفرح المفقود . هذا هو حال ما عايشناه في العيد ، حينما اجتمعت مجموعتا (لمتنا الحلوة) و (صدى الشمال) الثقافيتين في مزرعة الوجيه الشاب الدكتور خيري محمد خيري في قرية أبتة بمحلية البرقيق شمال دنقلا ، ليعيدوا رسم الفرح من جديد على وجوه الناس ، وليضفوا لوناً جديداً من الجمال على صفحات الحياة التي كاد يطغى عليها السواد .

فالاحتفال بالأمل وسط الزمان الصعب يعتبر تحدي ، فلم يكن برنامج العيد مجرد تجمع للناس أو احتفال روتيني ، بل كان بمثابة رسالة عميقة أُرسلت من قلب المجتمع ، و كان بمثابة تحدي صارخ ضد واقع الحرب و قهر مصاعب الحياة الشيء الذي أثقل كاهل الجميع ، وهو تذكير قوي بأن الحياة لا و لن تتوقف رغم الألم والدمار ، و مثلما نجد في رواية (الحب في زمن الكوليرا) لغابرييل غارسيا ماركيز ، حيث تجد الشخصيات نفسها محاصرة في زمن يتسم بالكوليرا والدمار ، لكنهم ما زالوا يواصلون حبهم وحياتهم ، يتحدون الظروف ، ويجدون الفرح رغم الألم .

برنامج العيد كان بمثابة تلك اللحظة من الضوء في وسط العتمة ، حيث تلاقى الناس على اختلاف خلفياتهم الثقافية والاجتماعية ، ليعيشوا لحظات من التواصل الحقيقي ، و الأخاء غير المشوه ، و كان التفاعل بينهم يتجاوز مجرد التحية و الكلمات الروتينية الجافة ، بل كان هناك حوار إجتماعي ثقافي يعبر عن أن الروح الإنسانية يمكن أن تستمر في النمو ، مهما كانت المحن التي تواجهها .

و ما أجمل العروض التي تم تقديمها في البرنامج مما أعطى طابعاً فنياً راقياً و جميلاً للحدث ، كما كان هناك تبادل للأفكار والرؤى حول كيفية تحسين الوضع الاجتماعي والثقافي في ظل الظروف الحالية ، فكانت تلك الجلسات بمثابة منصة لتبادل المعرفة و بناء جسور التواصل ، و الترفيه و التعلم ، بعيداً عن هموم الدنيا وآلامها ، كأنما كانوا يرددون معاً بهمس صامت : أن الأمل لا ينقضي أبداً ، وأنه لا يضيع في هذه الدنيا شيئاً إلا مع عزيمة البشر المتراخية حينما يتم تسليم أنفسهم للواقع المرير دون محاولات لتغيير ذلك ، لأن التغيير بيد البشر .

و مثلما كانت رواية ماركيز “الحب في زمن الكوليرا” تنقل لنا مشاعر متضاربة بين الحب والمرض والدمار ، كان الفن في هذا البرنامج بمثابة ملاذ لكل الحاضرين ، حيث نزلوا من أعباء الحياة اليومية إلى عالم مليء بالخيال والفرح ، و لو كان ذلك لبضع ساعات ، و لكنهم و جدوا أنفسهم في عالم آخر تحفه الثقافة و الفن ما يعيد لهم الاتصال بأنفسهم و بالآخرين .

في تلك اللحظات ، تجسدت الفرحة بلقاء الأحبة في وسط تداعيات الحرب ، و كان الإصرار على الاحتفال بالعيد بمثابة وقفة ضد كل ما يعيق الفرح ، ليثبت الجميع أن الإيمان بالسلام و الحياة هو ما يدفعهم للاستمرار ، وهو ما يجعلهم يواجهون الصعاب بكل شجاعة وأمل .

لقد كان برنامج العيد في مزرعة الدكتور خيري محمد خيري أكثر من مجرد احتفال ، و كان تعبيراً عن روح المجتمع التي لا تنكسر أمام هموم الحياة المثقلة ، فشكراً للمتنا الحلوة ، و صدى الشمال ، و للقائمين على أمرهما ، فلقد أرسلوا للجميع رسالة أمل أن الحياة ستستمر رغم كل شيء ، و لن تتوقف عند حدود الألم ، بل ستستمر وتتجدد ، ويظل الفرح في القلب مهما كانت الظروف .

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا