أثار الخطاب الأخير الذي ألقاه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ، القائد العام للقوات المسلحة السودانية ، جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية والشعبية ، و يجب أن يأخذ في الإعتبار هذا الخطاب لم يتم إعداده مسبقاً ، بل كان عبارة عن خواطر مباشرة و تم الحديث بعفوية عكست هموم و تحديات الدولة السودانية في هذه المرحلة الصعبة من عمر بلادنا ، وقد تناول البرهان قضايا حساسةً جداً تتعلق بالعلاقة بين الدولة والقوى السياسية المساندة لها و المعارضة و المليشيا .
و كان من الضروري التفاكر و التعاون بين النخب السياسية فيما قيل في هذه الجلسة ، بغض النظر عن الحديث في حجم ثقل هذه الكتل السياسية التي حضرت ، و كيف تم تجميعها لهذا اللقاء ، على الرغم من أن هذه الكتل ليست على قلب رجل واحد ، و كذلك كان من الأجدى مناقشة القضايا التي تم طرحها من قبل القائد العام حسب ظرفية الدولة التي كانت و ما زالت تعاني من ضغوطات حادة من المجتمع الدولي ، و أن يتجاوز الإسلاميين ، و خصوصاً هم شركاء للجيش في الخنادق ، الاستهداف المباشر و التفسير المبالغ فيه للنصوص ، فيجب عليهم ألا يكون في أخذهم للخطاب درجة من الإفراط ، لأن هنالك تحديات متعاظمة تواجه الدولة ، بما في ذلك ضغوطات داخلية و أخرى خارجية أشد فتكاً منها ، و هم يعلمون ذلك جيداً ، و لهذا كان من الضروري العمل على إيجاد نقاط إلتقاء توازن بين مختلف الأطراف المساندة من الخنادق أو من الفنادق ، و كذلك المعارضة ، بما في ذلك يجب أن نضع (الخارج) في الإعتبار أولاً بصورة بارزة .
من الضروري أن يفسر القائد البرهان للداخل و الخارج نوع العلاقة بين الجيش و بين بعض الكتائب التي تحمل السلاح جنباً الى جنب مع القوات المسلحة ، و كان من الواجب عليه فك إرتباطه مع أي أدلجة شابته من الكتائب و الحركة الإسلامية ، و هنا كان حديث القائد قومياً و واضحاً عن الدوافع التي دفعت الكثيرين من افراد هذا الشعب لحمل السلاح مع الجيش ، و أكد إذا كان الدافع غير الوطن ، فعلى الفرد أن يضع السلاح و ينصرف .
و قد أكد البرهان عدة نقاط هامة تتعلق بالحقوق الأساسية ، و منها حق الحصول على المستندات الرسمية بإعتبار أنها حق لكل مواطن سوداني ، بغض النظر عن اختلافه في الرأي مع الحكومة ، و ميز في خطابه بين من يختلف مع الحكومة وبين من يختلف مع الوطن ، مؤكداً أن الاختلاف مع الحكومة لا يعني بالضرورة الخيانة للوطن .
و أكد عدم مشاركة حزب المؤتمر الوطني في فترة الحكومة الانتقالية ، وكذلك كان يريد أن يرسل رسالة تحمل ذات المعنى لقحت ، و لكنه أشار إلى أهمية مشاركة كل القوى في العملية السياسية ، مشدداً على ضرورة إشراك جميع الأطراف في الحوار السوداني _سوداني لأن المصلحة واحدة ، و هي الحفاظ على الوطن وإستقراره ، و هذه التصريحات توكد مدى التزام الرجل بالوحدة الوطنية .
الرجل كان تلقائياً و صريحاً ، مؤكداً أن الوحدة هي السبيل الوحيد للخروج من دائرة الشكوك والمناورات السياسية ، و على الجميع ، سواء من هم في السلطة أو المعارضة ، أن يتحملوا مسؤولياتهم الوطنية ، و أن يضعوا مصلحة الوطن قبل أي مصلحة شخصية أو فئوية ، و أن التفاهم والتوافق بين القوى السياسية ، من خلال الحوار البناء والمفتوح ، هو ما سيؤدي إلى مرحلة انتقالية ناجحة ، و من ثم إلى استقرار سياسي دائم .
عندما نتناول خطاب البرهان للكتلة السياسية نجد أنه جاء في وقت بالغ الأهمية ، حيث كان من الضروري أن يتسم هذا الخطاب بالحكمة والرصانة ، على الرغم انه كان عفويا كما أسلفت ، و في هذا الظرف الدقيق ، كان يجب على الذين إنتقدوه التوقف قليلا ً و التفكير بعناية في كل كلمة ، و في كل حرف ، خاصة و أن الظروف السياسية ما زالت معقدة و تتميز بتقاطعات كثيرة ، و من الضروري أن يلتفت الناس إلى الأحداث التاريخية التي شهدها العالم ، و لذلك يجب أن يتم حساب كل خطوة بعناية وبعقلانية ، حتى وإن كانت الظروف تدفع نحو العجلة .
الخطاب كان بمثابة دعوة للجميع لإحتساب المواقف بعناية ، و ليست لإقتسام الكعكة ، و كان يجب ألا يقع الناس الذين أثاروا اللقط في فخ التوترات أو الانفعالات التي يمكن أن تضر بالوحدة الوطنية ، فالقيادة الحكيمة لا تتمثل في التسرع في اتخاذ القرارات ، بل في القدرة على التأني و التفكير في المدى الطويل من أجل المصلحة العامة .
فلا أجد مبرراً لإنفجار الإسلاميين ضد هذا الخطاب ، فكان عليهم أن يتدبروا الأمر قليلاً ، و خصوصاً أنهم شركاء خندق مع الجيش في هذه المعركة ، و ألا يقولوا كما قال الأنصار في حنين ، : يغفر الله لرسول الله يعطي قرشاً و يتركنا و سيوفنا تقطر من دمائهم ، فالحكمة تقتضي أن يراعي العقلاء متهم هذا الحدث الإجرائي ، و أن يحسبوا الأمر بمقياس الفرق بين المؤلفة قلوبهم ، و بين الذين يؤمنون بالقضية ، فما وقع من الأنصار بعد قسمة غنائم هوازن ، و حكمة النبي صلى الله عليه وسلم تجاه ما ذهب بهم الظن إلى غير ذلك في هذا التصرف (من وجة نظري) ، ومن هذه الزاوية الحرجة التي يقف عندها الجميع ، يعدّ منهجاً يجب أن يقف عنده أصحاب العقول ، و أن يحسنوا التأويل، و أن يصبروا ، و ألا يسخر أحد من أحد ، فكل منهم يقدم للوطن حسب إستطاعته و إيمانه بالقضية .
و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
