☘️🌹☘️
كانت زيارتي الخاطفة لمقر السلطة القضائية بالخرطومگك٠٠گة ، في مبنى كنار ، أكبر من كونها زيارة لأحدى المؤسسات ، فقد وجدت نفسي متأملاً للمكان بعين فاحصة تستقرئ ما وراء الجدران ، وتستنطق تفاصيل عمارته الفريدة ، متلمساً في ملامحه المعمارية روح المؤسسة ، ومستشفاً من أجوائه دلالات الهيبة والعدالة وسيادة القانون .
أكثر ما جذب انتباهي في هذا المكان هو طرازه الإسلامي الراقي ، بما ينطوي عليه من فرادة حضارية وجمالية آسرة ، تتجلى في الأقواس والقباب التي تميزه ، وما تتسم به من رمزية توحي وكأنها تستظل بالسماء وتحتضن الفضاء ، فعندما دخلت عبر ردهاته ، شعرت بقدر من السكينة والوقار ، وراودني إحساس جميل بأن المبنى بهيبة جماله ، والمؤسسة بوقارها ، قد أضفيا على المكان شيئاً من الجلال والطمأنينة ، وعلى الرغم مما شهدته هذه المؤسسة من عواصف الحرب وتداعياتها ، فإنها ما تزال تحتفظ بهيبتها ومكانتها ، متمسكة برهانها على دولة القانون .
ولعل أكثر ما استوقفني أن المقر لا يبدو كتلك الاماكن الحكومية ، فهو رمز للطمأنينة التي يبحث عنها هذا الشعب الذي أنهكته الحرب ، وينتظر أن يجد في ميزان العدالة إنصاف للمظالم ورد للحقوق ، فالعدالة هي ضرورة لا تستقيم الحياة بدونها .
وكان لمجالسة مولانا عبدالعزيز فتح الرحمن ، قاضي المحكمة العليا ورئيس القضاء ، وقع خاص في نفسي ، فقد وجدت أمامي رجل عالم ، ومهذب ، ووقور ، بالغ التواضع ، يعرف متى يتحدث ، وكيف يختصر الكلام ، فتبلغ كلماته غايتها دون إسهاب ، وفي حديثه لمست انشغاله بالقضايا الكلية ، ورسوخ إيمانه بإستقلال السلطة القضائية ، فهذا الرجل حريص على حمايتها من محاولات التسييس .
وإنني لأُثمن عالياً ما أُنجز في عهده من جهود ، تمثّلت في إسقرار جميع المحاكم في السودان ومباشرة أعمالها ، وافتتاح دوائر المحاكم العليا ، ومحاكم التوثيقات والعقود بالولايات ، وإسترداد سجل الأراضي في جميع أنحاء السودان ، فضلاً عن جولاته الميدانية المتواصلة للوقوف على سير العدالة ، والاطمئنان إلى إنتظام عمل مؤسساتها ، فهذا الرجل يولي أدق التفاصيل اهتماماً بالغاً ، وهي جهود تستحق التقدير والإشادة ، وتعكس فهماً عميقاً بأن إستقلال القضاء لا يكتمل إلا بقوة مؤسساته ، وفاعلية أدائها ، وإمتداد خدماتها إلى سائر أنحاء البلاد .
غادرت المكان ، وانا محمل بإنطباع عميق ، وقناعة أعمق بأن إستقلال القضاء أكبر من كونه شعار يرفعه أهل العدالة ، فهو أمانة ، ومسؤولية جسيمة ، يحب أن تُصان في كل يوم ، وتُترجم في الممارسة ، وتُحمى من كل ما قد ينال من هيبتها أو يمس إستقلال قرارها .
ولقد كانت زيارتي ، على قصرها ، سانحة ثمينة لأعاين عن كثب ، وألمس بنفسي ملامح هذه المؤسسة التي ينبغي أن تظل الملاذ الأخير للشعب السوداني ، والحصن الآمن عندما تضيق بهم سبل الإنصاف ، وتتعثر أمامهم دروب إسترداد الحقوق .
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
