☘️🌹☘️
من سخرية الزمان أن يقتنع الإنسان بدور لم يُكن هو أهل له ، ثم يطالب الآخرين بالتصفيق له على أداء لم ولن يتقنه مهما حاول ، فالدراما المصرية قدمت في فيلم الزعيم نموذج ساخر جسد فيه الأستاذ عادل إمام شخصية الرئيس وسط مواقف صنعت الضحك للمشاهدين ، وأتقنت السخرية من أوهام السلطة ، وكان الجميع يدرك أن ما يراه لا يتجاوز حدود الفن .
الحقيقة المؤلمة تظهر عندما يغادر بعض الناس خشبة المسرح إلى واقع الحياة ، فقد يختلط عليهم التمثيل بالحقيقة ، فتستقر في أذهانهم صفات لم يحملوها في يوم ما ، فليست المشكلة في إدعاء أي صفة لا يُحسن صاحبها أداءها ، فالمأساة الحقيقية تبدأ عندما يصل المستوزر إلى موقعه وهو عاجز عن إدراك طبيعة الدور الذي يشغله ، وحدود المسؤولية التي يحملها ، فيتحول الكرسي إلى لقب أجوف ، لا يسنده علم ، ولا يرفعه وعي .
أقف حائر أمام هذا الأمر الذي نحن فيه الآن ، والذي تم صنعه من اللا شيء ، فقط من أجل إرضاء الغرور ، فلا أدري أهو نتاج سذاجة دفعت صاحبها إلى تصديق الوهم الذي يعيشه ، أم جهل أقنعه بأنه بلغ منزلة لم يبلغها معه أحد ، ثم جاءت المفاجأة الأكبر منها إثارة للأسى ، عندما أرسل لي رفيق دربه وحافظ أسراره ، برسالة تحمل لهجة لا تحتمل التأويل ، يهددني فيها ، ومتوعداً ، ويقول : أن وزيرنا (علم على رأسه نار) ، وأن خلفه رجال وأقارب ، وهم رهن إشارته ، ويا ليت له في الأصل إشارة ، فهو كائن خارج التغطية .
هذه اللغة لا تحمل أدنى مظاهر القوة ، فهي إعلان صريح عن الإفلاس وفقر المحتوى ، قبل أن تكون إستعراض للنفوذ ، وذلك هو منطق العاجزين و من أعياهم الدليل ، فلم يجد سوى التلويح بالعضلات والتباهي بمن يقف خلفه ، إنها مفردات البلطجة والتردي التي ترتدي ثوب النفوذ ، وهي رسائل لا تحتاج إلى مترجم ، فمضمونها واضح جداً (لدينا من وسائل الترهيب ما يكفي لإسكاتك) .
ومن هنا أُعلن على الملأ أنني أرفع بلاغاً على الهواء مباشره عما وصلني من تهديد ، ليكون الجميع شاهدين على ما جرى ، وما سيجري ، وفقاً لما عناه هذا التهديد ، وأريد أن أقول لهم تريثوا قليلاً ، لأن التاريخ لم يحفظ في يوم ما مكانة لأحد ، صنعتها له لغة الوعيد والتهديد ، وهنا يظهر الاختبار الحقيقي ، الذي يكشف عن موضع المخ وليس العقل لدى بعض الناس ، فإن لم يكن في الرأس ، فأين يكون؟ .
مشكلة السودان لا تقف عند أزمة ضعف الوعي أو غياب التفكير السليم ، فذلك داء يمكن مداواته بالتعليم وبرفع الجهل ، وبالتجارب ، ولكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما بتم تسليم الأمر إلى من فقد القدرة على التمييز بين الغرور ، وبين النفوذ .
عندها يصبح العقل بعيداً عن موضعه الطبيعي كما أسلفت ، تصبح كل الموازين مقلوبة ، وبكل أسف قد يُحسب التهديد شجاعة .
وعندما يبلغ المجتمع هذه المرحلة المتأخرة من التردي ، قد يصبح إصلاح الأشخاص أيسر بكثير من إصلاح الثقافة التي أنجبت هذا السلوك المنحرف ، ورسخته عند هذه الشرزمة من الخلق ، ولذلك ينبغي لكل إنسان أن يعرف قدر نفسه ، وأن يحترم حدود موقعه ، وألا يتوهم أنه وصي على الوطن أو ناطق باسمه ، فنحن جميعاً شركاء في هذا البلد ، نتساوى في حق الانتماء إليه ، ولا يملك أحد حقاً فيه يفوق حق غيره ، إلا بمقدار ما يقدمه له من خدمة ، ونزاهة ، وإخلاص .
وسنتابع .. فالحكاية لم تبدأ بعد
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
