36.1 C
Khartoum
الثلاثاء, يوليو 21, 2026

همس الحروف .. إبتلاء الأخوة هو أعظم إمتحان للنفوس .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

إتصل بي أحد الإخوة الأعزاء معاتباً ، وقال لي : ما لي أراك شديداً في خصومتك؟ وقد عرفتك منذ سنين طويلة لا تعرف الفجور في الخصومة ، ولا تميل إلى الشحناء ، ولا تضيق صدراً بالناس ، فكيف إشتد أمرك مع رجل كانت بينك وبينه من المودة ما يقارب وشائج الأخوة ويزيد ؟ .

فقلت له : قبل أن تسألني عن موقفي ، حدثني أولاً عن حق الأخ على أخيه ، وعن واجبات الصديق تجاه صديقه ، وعن حرمة العشرة إذا طال عهدها ، وعن الوفاء عندما تختلف الآراء ، وعن الإنصاف إذا إلتبست الأمور ، ثم ذكرني بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) ، فلما قيل له يا رسول الله : ننصره مظلوماً ، فكيف ننصره ظالماً ؟ ، قال: (أن ترده عن ظلمه) .

قلت لهذا الأخ العزيز : انا شاكر لك ومقدر على إتصالك وإهتمامك بهذا الموضوع ، ولكن أريد منك أن تذهب إليه أولاً ، وبعد ان تقرئه مني السلام أساله : ماذا صنع معي ؟ وما الذي حمله على ما فعل ؟ ، ثم أرجع إلي بعد ذلك وعاتبني ما شئت ، فإن كنت أنا المخطئ ، فلن يمنعني كبرياء زائف من الإعتراف بذنبي ، وسأعتذر إليه اعتذاراً يليق بحقه ، وأرد إليه إعتباره الأدبي قبل أي حق آخر ، ثم أتحمل ما يترتب على ذلك من تبعات معنوية أو مادية ، فالتراجع إلى الحق فضيلة ، والإعتذار لا ينقص من قدر الرجال ، وإنما يزيدهم شرفاً ورفعة .

لقد آثرت الصمت ، ولم أهتم بتتبع ما قاله الرجل عني في الخفاء ، لأنني كنت أرى أن الحقيقة لا تحتاج إلى كثير كلام حتى يتم إثباتها ، وأن الأيام كفيلة بأن تكشف المستور ، وما سعيت إلى خصومة معه ، ولا أوقدت نار فتنة ، ولكن الله سبحانه يأبى إلا أن يُظهر الحق ولو بعد حين ، فهو من صنع الرواية وهو من روج لها بكل كبرياء صلف ، وهو يتبع أحد الحمقى الذين قاموا بتضليله .

ولقد كان أشد ما آلمني أن الخلاف لم يقف عند حدود الاختلاف ، ولكن أخانا هذا أعماه الكبر فتجاوز الموضوع إلى صناعة الرواية ، وإعادة تشكيل الوقائع ، بالزيادة حيناً ، وبالنقص حيناً آخراً ، وبترقيع ما لا يُرقع ، وحذف ما لا يجوز حذفه ، حتى صاغ حكاية توافق هواه .

وكان الأولى بمن جمعتنا به المودة ، أن يطرق بابي لمواجهتي ، أو يسألني سؤال المستفهم ، لا سؤال المتهم ، فذلك أضعف حقوق الأخوة ، وأقل ما توجبه عشرة السنين ، ولكنه لم يفعل ذلك لأنه لا ولن يستطيع مواجهتي .

وما كان بيننا من خلاف ، ولكن على إفتراض وجوده ، لا يبرر هذه الزوبعة التي أُثارها وهو متقمص شخصية سوبر مان ، ولا هذا الإصرار على تصوير الأمر بما ليس فيه ، غير أن النفوذ إذا دخل بعض القلوب أوهمها بأنها فوق رؤوس الناس وفوق المحاسبة ، وقد غاب عن هذا الرجل أن سلطان الإنسان إلى زوال ، وأن سلطان الحق باقي إلى يوم الدين لا يزول .

والعجيب في الأمر أن هذا الرجل يعلم يقيناً أن هذا المنصب الذي يتربع على عرشه اليوم قد عُرض علي شخصي الضعيف من قبل ، فآثرت أن أتنحى عنه مختاراً ، إيماناً مني بأن خدمة الدولة لا تقف على كرسي ، وأن المواطن المخلص يمكن أن يؤدي رسالته حيث أقامه الله ، وليس من حيث أجلسه الناس ، فما كنت أزاحم على جاه ، وهو يعلم ذلك تمام العلم ، ولم أنافس على سلطان زائف ، وخصوصاً ان الناس شبهوه ب(كرسي الحلاق) ، ولذلك أردت أن تتسع المساحات لنا جميعاً ، وأن يبقى الصف موحداً لخدمة هذا الوطن المكلوم بجهل أهله .

ولكن ضيق القلوب إذا إستبد بها الهوى ، وصغر النفوس المريضة إذا أغرتها المناصب ، قد يخيل إلى أصحابها أنهم أكبر من حقيقتهم الكرتونية ، مع أن الإنسان ، مهما علا شأنه ، ليس هو إلا مخلوق ضعيف يتحكم فيه مخرجين ، فهو يبدأ من ضعف ، وينتهي إلى ضعف ، ثم يقف بين يدي رب العالمين لا يحمل معه إلا عمله .

ولذلك لا أجد في مثل هذه الموطن عزاء لنفسي أصدق من كلمات العارف بالله ، الشيخ العلامة عبد الغني النابلسي رحمه الله ، إذ يقول :

يا من تكلم فينا بالذي فيه
وقعت في كف ضرغام وفي فيه

دُم في ظنونك مفتوناً فسوف ترى
من الذي منه قبح الفعل يُرديه

ولا تقل أي جاه للضعيف يُرى
فإن للبيت رباً سوف يحميه

أهكذا ملة الإسلام تأمركم؟
أم قد سلكتم عن الإسلام في تيه؟

تباً لكم ولمن قد عاد يتبعكم
والعبد مولاه في الأعداء يكفيه

إنني لا أكتب هذه الكلمات طلباً للانتصار لنفسي ، ولا تشفياً من أحد ، ولكن أكتبها إبراء للذمة ، وتذكير بأن العلاقات الإنسانية لا يحفظها إلا الصدق ، وأن الأخوة لا تقوم إلا على حسن الظن ، وأن العدالة تبدأ بسماع الطرفين قبل إصدار الأحكام ، فمن أراد نصرة أخيه حقاً ، فليمنعه من الظلم قبل أن يواسيه بعد وقوعه ، فإن رد الظالم عن ظلمه هو أعظم نصرة للإنسان ، وأبقى أثراً ، وأقرب إلى مرضاة الله .

وسنواصل .. فالحكاية لم تبدأ بعد
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا