☘️🌹☘️
هناك قضايا لا يمكن النظر إليها من جانب واحد ، أو من الزاوية البعيدة ، لأن العدالة تقتضي منا الموازنة بين الحقوق والواقع ، ومن أبرز هذه القضايا هي ملف العاملين من حملة الشهادات الجامعية الذين إلتحقوا قبل سنوات بوظائف عمالية أو مؤقتة ، ثم فرضت عليهم سنوات الخدمة واقعاً مختلفاً ، حتى أصبح كثير منهم اليوم يؤدون أعمالاً فنية ، وإدارية تعتمد عليها مؤسساتهم اعتماداً كبيراً ، وبعض هذه المؤسسات لا تستطيع الاستغناء عن خبراتهم وما إكتسبوه من كفاءة عبر سنوات عملهم .
لا شك أن قبول بعضهم بهذه الوظائف العمالية عند بداية مشوارهم المهني كان قرار قد يراه البعض الآن غير موفق ، ولكن إحقاقاً للحق لا بد لنا أن نصطحب معنا الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي دفعتهم إلى ذلك ، وأن كثيراً منهم إختار العمل المتاح أنذاك بدلاً من إنتظار فرصة قد لا تأتي ، أو إذا أتت قد تأتي متأخرة . لذلك فإن الحكم على إختيارهم للوظيفة العمالية بدون مرعاة للظروف التي فرضت نفسها عليهم قد يكون ذلك ظلم في حقهم .
وفي المقابل فإن من حق الخريجين الذين ينتظرون فرص التوظيف عبر لجنة الاختيار أن نحتفظ لهم بحقوقهم ، وألا نفتح لهم باب يخل بمبدأ تكافؤ الفرص ، أو يتجاوز المنافسة العادلة ، أي يجب ألا يتم التغول باي حال من الأحوال على فرصهم عن طريق النقل من وظيفة عمالية الى مساعد مفتش ، فحق الخرحين ينبغي إحترامه ، لأن ذلك يمثل أساس العدالة الوظيفية .
ولهذا فإن معالجة هذه القضية لا ينبغي أن تكون على حساب أي طرف ، فلا يكون الخريج فيها مظلوماً ، ولا يبقى ان يكون العامل الذي أفنى سنوات عمره في خدمة المؤسسات محروماً من الاعتراف بواقعه الوظيفي ، وإن المطلوب هو إيجاد معالجة متوازنة تحقق العدالة للطرفين .
لقد شهد عام 2012 معالجة لبعض الأوضاع المشابهة ، حيث تمت تسوية أوضاع عدد من العاملين ، وكذلك تمت معالجة أوضاع العمالة المؤقتة ، مع التأكيد حينها على إغلاق هذا الباب حتى لا يتضرر أصحاب الحق الأصيل من الخريجين في المنافسة على الوظائف العامة ، غير أن السنوات اللاحقة أفرزت واقع جديد يستحق الدراسة من جديد ، وذلك ليس بإعتباره إستثناء مفتوح ، وإنما بإعتباره ملف مهم يحتاج إلى معالجة مدروسة وفق لضوابط واضحة .
إننا نتوجه بنداء إلى مجلس وزراء حكومة الولاية الشمالية للنظر في هذا الملف بعين الإعتبار ، والعمل على حصر هذه الحالات حصراً دقيقاً ، ومعرفة العدد الحقيقي للعاملين من حملة الشهادات الجامعية والموظفين المؤقتين الذين أصبحوا يشغلون عملياً مواقع أساسية داخل مؤسساتهم .
فالمعالجة الراشدة تبدأ دائماً بالمعلومة الصحيحة ، ثم يتم بعد ذلك وضع معايير عادلة تراعي سنوات الخدمة ، والمؤهلات العلمية ، وحاجة المؤسسات ، دون الإضرار بحقوق المتقدمين الجدد .
كما نأمل من ديوان شؤون الخدمة والجهات المختصة أن تتعامل مع هذا الملف بشفافية ، لأن وضوح الأرقام والبيانات يساعد على الوصول إلى حلول موضوعية بعيدة عن الاجتهادات والتقديرات .
وفي الوقت نفسه ، فإننا نوجه رسالة صادقة إلى أصحاب هذه القضية أنفسهم ، فإذا تم الإعلان عن وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم في مؤسساتهم أو غيرها ، فعليهم المبادرة بالتقديم عبر لجنة الاختيار ، وعدم إنتظار أي معالجات قد تتأخر ، أو قد لا تأتي بالصورة المأمولة ، فالمنافسة المشروعة تظل هي الطريق الأكثر إستقرار ، والأضمن لحفظ الحقوق ، كما أنها لا تغلق الباب أمام أي حلول إدارية قد تُتخذ في المستقبل في قضيتهم القديمة .
يجب الا ننظر إلى هذه القضية بإعتبارها قضية إمتيازات ، لانها في الاساس تعتبر قضية واقع وظيفي قائم منذ سنوات ، ويحتاج إلى معالجة حكيمة تحقق التوازن بين إحترام القانون ، وحماية حقوق الخريجين ، وإنصاف من أثبتوا كفاءتهم وخدمتهم الطويلة داخل مؤسسات الدولة .
فالعدالة في مفهومها البسيط هي ليست أن ينتصر طرف على الآخر ، ولكنها هي أن يحصل كل ذي حق على حقه دون أن يظلم غيره . ونأمل أن يجد هذا النداء آذاناً صاغية لدى مجلس وزراء حكومة الولاية الشمالية ، وأن يُفتح هذا الملف بروح المسؤولية ، حتى يصل إلى حلول جذرية وعادلة تحفظ حقوق الجميع وتخدم إستقرار الخدمة العامة .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
