38.9 C
Khartoum
الأحد, يونيو 28, 2026

همس الحروف .. العفو عند المقدرة ، إنتصار للقلب على الجراح ، ونداء إلى أخي الكريم خالد حميدة بريفي أبوقوتة .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

ليست كل القصص التي تتصدر وسائل الإعلام هي عبارة أخبار مجردة من الروح ، فبعضها يتحول إلى دروس خالدة في الإنسانية ، تذكرنا بأن الرحمة قد تفتح أبواباً تعجز عنها الأحكام الشرعية ، وأن العفو قد يصنع حياة جديدة لأسر مات في قلبها الأمل .

وقف العالم كله وخصوصاً العالم العربي والإسلامي ، بإجلال شديد أمام موقف الشيخ يحيى بن قانس البشري القحطاني ، المواطن السعودي الذي عفا عن قاتل ابنه الشاب ياسر قبل ساعات قليلة من تنفيذ حكم القصاص عليه ، وكان من الممكن ان يكتفي بإعلان العفو في المحكمة ، ولكنه فضل أن يذهب بنفسه إلى منزل أسرة الجاني ليعلن أمامهم هذا الخبر الذي يحمل الرحمة ، ووقتها سارعت والدة القاتل الانحناء له لتقبيل رجليه امتناناً ، فمنعها وقبل رأسها مواساة لها ، ولم يقبل دية ولا مال ، وإشترط أن يكون عفوه خالصاً لوجه الله تعالى ، رحمة بأم مسنة وأسرة خسرت إبنها ، وبنات كن سفقدن عائلتهن الوحيد .

إن هذه القصة تختصر معنى قول الله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، وقوله سبحانه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) .

واليوم بعد مرور خمس سنوات على الحادثة الأليمة التي راح ضحيتها الشاب قمر الدولة خالد حميدة ، إثر مشاجرة مؤسفة مع عبد الإله الزهراني ، بالمملكة العربية السعودية على خلفية مشكلة بسيطة ساقها الشيطان إلى نهاية مأساوية ، إرتقى فيها قمر الدولة إلى رحمة الله ، بينما أصبح عبد الإله الزهراني نزيل سجن الشميسي بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية ، ينتظر ما تقضي به العدالة .

لقد خسر الجميع .

خسرنا شاباً كان بين أهله وأحبابه كضوء العين ، وخسرت أسرة أخرى إبنها وهو الآن يقضي سنوات عمره خلف القضبان في انتظار القصاص ، فالقاتل والمقتول من أبنائنا ، وكل بيت في مثل هذه المآسي يحمل نصيباً صخماً من الوجع .

لا أحد ينكر حجم الألم الذي يعتصر قلب والد الشهيد قمر الدولة خالد حميدة ، ولا الدموع التي سكنت قلب والدته ، ولا الحزن الذي يملأ صدر شقيقه محمد نور خالد ، ولا الظروف التي تعيشها الأسرة الكريمة ، وقبيلة الحسانية في منطقة بجيجة الخارج بريف أبوقوتة منذ وقوع هذه الفاجعة .

إن هذا الألم حق ، ولا يستطيع أحد أن يطلب من أهل الفقيد أن ينسوه ، كما أن الله سبحانه وتعالى قال: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) ، فجعل القصاص حقاً مشروعاً لأولياء الدم .

ولكن الله ، وهو الذي شرع القصاص ، وكذلك هو الذي فتح باب للرحمة أعظم منه أجراً ، وهو باب العفو والإصلاح ، فقال سبحانه جل شانه : (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) .

ولهذا فإننا نتوجه بنداء صادق من قلوبنا ، نابع بالمحبة والرجاء ، إلى والد الشهيد الاخ خالد حميدة ، وإلى والدته الكريمة ، وإلى شقيقه محمد نور ، وإلى جميع الأهل في قبيلة الحسانية جمعاء ، ولا سيما في منطقة بجيجة الداخل بريف أبو قوتة ، أن يتأملوا في قصة الشيخ يحيى القحطاني ، وأن يجعلوا منها وقفة للتدبر .

لا أحد يملك أن يفرض عليهم قرار ، ولا أحد يزايد على وجعهم ، فالقرار حقهم وحدهم ، ولكننا نناشدهم أن ينظروا إلى العفو باعتباره صدقة جارية في ميزانهم ، ورحمة يرحمهم بها الله ، في يوم لا راحم فيه إلا هو ، وأن يتذكروا أن خمس سنوات كانت كافية لأن يراجع المخطئ نفسه ، ويتوب إلى ربه ، ويعرف حجم الذنب الذي إقترفته يداه .

لا القصاص يعيد الراحلين ، ولا العفو يرد الغائبين ، ولكن العفو قد يحيي ما تبقى من القلوب ، وينقذ حياة إنسان ، ويجمع شتات أسرة ، ويغلق باب من أبواب الثأر والألم ، ويكتب لأصحابه أجراً عظيماً عند الله .

نسأل الله أن يتغمد الشهيد قمر الدولة خالد حميدة بواسع رحمته ، وأن يربط على قلوب والديه وأهله ، وأن يلهمهم الصبر والسلوان ، وأن يهدي عبد الإله الزهراني إلى توبة نصوحة وصادقة ، وأن يجعل هذه القضية خاتمة للأحزان وبداية للتسامح ، وأن يؤلف بين القلوب ، وان يغرس فيها الرحمة ، فهو سبحانه أرحم الراحمين .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا