☘️🌹☘️
الفقد هو الفقد ، والإنسان هو الإنسان ، والموت حقيقة كتبها الله على جميع خلقه ، ولكن يبقى لفقد الأطفال مذاق مختلف من الألم ، وجرح مختلف من الحزن ، ووقع لا يشبه سواه ، وليس ذلك لأن الطفل أغلى من غيره ، فكل روح عزيزة على من يحبها ، ولكن لأن الطفولة نفسها حالة إستثنائية من الحياة ، نعيش تفاصيلها بطعم لا يتكرر ، ونرى الدنيا من خلالها أكثر نقاء وبراءة وأمل .
للطفولة مذاق حلو لا يتذوقه الآباء وحدهم ، فيشاركهم فيه كل من يعايشها معهم ويقترب منها ، فهي الضحكة التي تسبق الكلام ، والخطوة المرتبكة التي تسبق المشي ، والفرح الذي يدخل البيوت دون إستئذان ، ولذلك ينتظر الأب عودته من العمل متعجلاً ، لا لأن البيت جدران وسقف ، ولكن لوجود طفولة فيه تملأ أركانه بالحياة. وتبقى الأم معلقة القلب بأطفالها ، ولا تكاد تفارقهم إلا ويشدها الحنين إليهم من جديد ، إنها الفطرة التي أودعها الله في القلوب ، فالأطفال هم الحياة وهم يزدهرون أمام أعيننا .
وعندما يأتي الفقد إلى طفل ، تضيق الكلمات عن حمل المصاب ، وتنحبس الأنفاس في الصدور ، وتتقطع القلوب ألماً ، وعندما يكون الفقد مفاجئ وقاسي ، لا يكتفي بأخذ من نحب ، ولكنه يترك في الأرواح ندبة لا تندمل ، وسؤال لا يكف عن الاصطدام بجدران القلب .
وهكذا كانت ليان الحبيبة ، جاءت كطيف عابر من نور ، ثم إختفت ، وكان حضورها يشبه لمعان البرق في ليلة حالكة ، يضيء الدنيا كلها في لحظة ، ويخطف الأبصار بجملة ضوئه ، ثم يغيب تاركاً خلفه دهشة لا تنتهي ، ويعقبه زوبعة من الرعد تهز القلوب ، فأتانا صوت الناعي بجملة من الحزن فأصمَّ كل ما هو حي في دواخلنا .
رحلت ليان مجتبى حامد يسن ، وكأنها لم تمكث في الدنيا إلا زمن قصير يكفي لتزرع محبتها في القلوب ثم مضت ، ورحلت قبل أن تكتمل الحكاية ، وقبل أن تحفظ الأيام ملامحها بصورة جيدة ، ولكنها تركت أثر عميق أثقل من أعمار طويلة .
وما زالت الفاجعة أشد وقعاً ، لأن الفقد كان أكبر من خبر وفاتها ، لانه كان غرقاً في مسبح البيت ، وذلك التفصيل المؤلم الذي يجعل الخيال أسير الحظة ، ويجعل القلب يعيد المنظر مرة بعد الأخرى ، وعاجز عن التصديق ، وعاجز عن الهروب من الوجع الذي خلفه .
أما أنا ، فلم أفجع مرة واحدة حين سمعت الخبر ، فقد فُجعت مرتين ، مرة بليان الصغيرة التي غادرت الدنيا قبل أن تعرفها الدنيا ، وفُجعت بأمها رزان ، أو كما يحلو لنا أن نناديها بمحبتنا القديمة لها (رزة) ، فما زلت أذكر طفولتها وكأنها كانت بالأمس ، وما زلت أراها تلك الطفلة التي كانت تملأ المجالس حياة وبراءة ، فمرت السنوات ، وتقدمت الأعمار ، ولكن بعض الأشخاص يبقون أطفال في ذاكرتنا مهما كبروا ، فلم أر رزان تكبر في عيني ، ولذلك كان وقع المصيبة على ضعفين ، وكأن طفلة فقدت طفلتها .
كانت ليان في قلوب الجميع كما كانت أمها من قبل وما زالت ، وكأن الزمن أعاد لنا ذات البراءة والبهجة في صورة جديدة ، ثم إستردها على عجل .
فرحيل ليان غير طعم الدنيا في أفواهنا ، وأذهب ذلك اليقين الذي يعرفه الجميع عن فناء الحياة ، فأدركنا مرة أخرى كم نحن ضعفاء أمام أقدار الله ، وكم أن الفرح الذي يملأ بيوتنا قد يتحول في لحظة ما إلى صمت طويل ، وحزن لا تعرف له القلوب اسما .
ومع ذلك يبقى الإيمان هو اليد الوحيدة التي تنتشل الغارقين من بحر الفقد ،
فيا رب يا واسع الرحمة ، اجعل ليان عصفورة من عصافير الجنة ، واجعلها شفيعة لوالديها يوم يلقونك ، اللهم اجعلها ذخراً لهم ، وفرطاً وأجراً ، ونوراً يسبقهم إلى جنات النعيم ، اللهم ثقل بها موازينهم ، وارفع بها درجاتهم، وعظم بها أجورهم .
اللهم اربط على قلب أبيها وأمها رزان ربطاً لا ينفك أبداً ، وأنزل على أرواحهم من سكينتك ما يطفئ لهيب هذا المصاب ، وما يعينهم على تحمله ، اللهم صبر خالاتها وأخوالها ، وعماتها وأعمامها ، وأجدادها ، وأحبابها ، وأصدقاء أهلها ، وجيرانهم ، وكل من عرفها أو أحبها .
أما ليان … فإن الأطفال الذين يرحلون مبكراً يتركون خلفهم فراغاً بحجم السماء ، ويظلون في الذاكرة كنجمة انطفأ ضوؤها عن العيون ، ولكنه بقي مشتعلاً في القلوب .
رحلت الحبيبة ليان ، لكن وجعها باقي في قلوبنا ، ودعاؤنا لها باقي ، وذكراها ستبقى شاهدة على أن بعض الأرواح ، رغم قصر عمرها ، مرت الدنيا عليها مروراً سريعاً ، و لكن جعلتها تترك في قلوبنا أثر لا تمحوه السنوات ابدا وإن طال الزمن .
اللهم إنا نسألك ان تصبرنا
elbagirabdelgauom@gmail.com
