38.2 C
Khartoum
الخميس, يونيو 18, 2026

همس الحروف .. جريمة القاهرة التي هزت وجدان الشعب السوداني .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

فتاة سودانية في القاهرة تلفظ أنفاسها الأخيرة (مقتولة) على يد صديقتها ، خبر صادم تلقيناه بحزن عميق ، ومثل هذه الأخبار المؤسفة يهتز لها الوجدان ، إذا كان ما يزال في هذا الشعب متسع من الوجدان المنهك بالأوجاع والآهات ، فإن هذه الحادثة تستحق أن ننظر إليها بعين مختلفة ، ومن زاوية تتجاوز عناوين الجريمة وأخبار الحوادث ، إلى ما وراءها من ظروفٍ إنسانية قاسية ، وأسئلة مؤلمة عن واقع يدفع الناس إلى حواف الهزيمة والانكسار ، وتفرض عليهم واقع يفوق قدرتهم على الإحتمال .

في ظاهر الأمر نحن أمام جريمة (قتل) ، فيها قاتلة ومقتولة ، ولكن بالتمعن في التفاصيل يقودنا ذلك إلى سؤال أكبر من حجم الجريمة ، فكيف يمكن لخلاف حول مبلغ بسيط أن ينتهي بإزهاق روح إنسان ؟ ، وما الذي يجعل نقاش عادي يتحول إلى لحظة غضب مدمرة ؟ ، فالحقيقة المؤلمة أن هذه الحادثة تحمل في داخلها وجه آخر للحرب والنزوح والفقر والعوز .

فالفتاتان لم تكونا تتنازعان على رفاهية ، ولم يكن الخلاف بينهما على ثروة أو مكسب كبير ، كان الحديث يدور حول مبلغ مالي بسيط ، ولكن ضغوط الحاجة أوقظت فيهما مشاعر القهر والحرمان وولدت بينهما الأغبان .

العوز ينهك الأعصاب ويستنزف الصبر ويجعل الإنسان أكثر هشاشة أمام الانفعال والضغوطات ، وعندما تتراكم الضغوط يوم بعد يوم ، يصبح العقل أقل قدرة على إحتواء الغضب ، وتصبح لحظات التوتر أخطر مما تبدو عليه في ظاهرها ، ومن المؤكد ان القاتلة نفسها أسيرة ظرف قاسي وشعور متراكم بالضيق والحاجة ، حتى فقدت السيطرة على نفسها في لحظة لم تتخيل أنها ستقودها إلى هذه النهاية .

لهذا يصعب النظر إلى هذه الواقعة باعتبارها قصة مجرم وضحية فقط ، فنحن أمام ضحيتين بوجهين مختلفين ، إحداهما فقدت حياتها ، والأخرى كذلك فقدت حياتها وإن بقيت على قيد التنفس ، وبينهما كانت تقف ظروف قاسية صنعتها سنوات من التدهور والتشرد والضيق الاقتصادي الذي دفع آلاف السودانيين إلى حياة تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار .

المسؤولية هنا تقع على الدولة في المقام الأول ، ثم على المجتمع ، فنحن مطالبون بأن نسأل أنفسنا ، أين كان سند الأقارب ، وأين كانت شبكات التكافل الوهمية ، وأين يقف ديوان الزكاة من مثل هذه الظروف ، وأين كان الإحساس بمعاناة الآخرين ؟ ، وابن جدودنا زمان الذين وصونا على القيم ، التي نرددها دائماً بألسنتنا فقط ، فكم من الناس الذين يعيشون اليوم على حافة الانهيار النفسي والمادي دون أن يجدوا من يقف جنبهم ويطبطب على رؤوسهم .

هذه الحادثة تؤكد لنا أن الفقر هو قوة مدمرة قد تعبث بالعلاقات الإنسانية وتدفع الناس إلى قرارات لم يكونوا ليتخذوها في الظروف الطبيعية ، وما حدث في القاهرة هو جرس إنذار يذكرنا بأن المجتمع الذي يترك أفراده يواجهون العوز وحدهم سيدفع فاتورة ذلك من أمنه الإنساني وتماسكه الأخلاقي .

الآن رحلت فتاة إلى الأبد ، ودخلت الأخرى في نفق مظلم لن تخرج منه مهما حاولت ، وبيقي هنالك سؤال مهم ومعلق في رقابنا جميعاً : كم من المآسي التي نصنفها بأنها جرائم ، بينما هي في الحقيقية لها جذور تمتد في عمق أرض الحاجة والإهمال والخذلان .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا