☘️🌹☘️
ليس هنالك في الدنيا شيء أصعب على الإنسان من أن يشعر بأن القانون الذي تمت صياغته لحمايته ، قد تحول إلى سوط يجلد به ، فالقوانين لا تسن لإذلال الناس ، ولا فرض الرسوم كان الغرض منه تكسير ظهور الكادحين ، وإنما وُجدت هذه الاشياء لتنظيم الحياة وتحقيق العدالة بين أفراد المجتمع .
في أول يوم عمل بعد عطلة عيد الأضحى ، وفي وقت لا يزال فيه الناس يلتقطون أنفاسهم من أعباء العيد ومتطلباته ، وهنا ، (أتخن تخين لا يمتلك ما يسد به رمق أسرته) ، ففي هذا اليوم فوجئت صاحبة صالون تجميل بمدينة دنقلا بزيارة من جهة تنفيذية تطالبها بسداد رسوم محلية تتجاوز المليون جنيه ، ويحب أن يكون الدفع فوراً ، وإلا فالإغلاق الفوري للمحل .
لم تكن تلك المرأة ترفض الدفع ، ولم تكن تنكر حق الدولة أو المحلية في تحصيل الرسوم ، ولكنها طلبت مهلة قصيرة ، فقط ساعات تكمل بها إلتزاماتها تجاه مجموعة من العرائس اللائي حجزن خدمات الصالون مسبقاً ، وخاصة أن هنالك مناسبة كانت مرتبطة بأفراح جماعية في قرية (الزورات) , وهي ظروف اجتماعية معلومة للجميع ، لكن الطلب قوبل بالرفض التام ، وإغلاق أي طريق أمام الإستجابة .
هنا تتجاوز القضية مسألة رسوم أو رخصة تجارية ، لتصبح قضية أكبرمن ذلك بكثير ، فأين ومتى تنتهي سلطة القانون ومتى تبدأ إنسانية الموظف ؟ .
فالوظيفة العامة ليست إستعراضاً للقوة أو العضلات ، وكما أنها ليست انتصاراً للنصوص الجامدة على حساب المواطن ، الموظف العام مُنح هذه السلطة لخدمة المواطنين ، لا لمضاعفة معاناتهم ، ومن حق الدولة أن تطلب مستحقاتها ، ولكن من واجبها أيضاً أن تراعي إلي الظروف الاستثنائية ، وأن تمنح مساحة معقولة للتقدير الإنساني .
المؤلم والمؤسف في مثل هذه المواقف أن المواطن يقف عاجزاً ، ولا يعرف ماذا يفعل ، ففي هذه الظروف لا يشعر بصرامة القانون ويقف الاحساس عند هذا الحد ، ولكن يتجاوز إحساسه أحياناً ليشعر بغياب الرحمة ، ويحس وكأن الدولة عدوة له ، ويتعمق عنده الإحساس بالغبن ، فكم من قرار كان يمكن تنفيذه بعد يوم أو أسبوع دون أن تتضرر هيبة الدولة ، أو تضيع حقوقها ، وفي نفس الوقت يكون قد جبر بخاطر المواطن ، وكم من أزمة كان يمكن تجاوزها بكلمة طيبة أو مهلة قصيرة .
والأكثر إثارة للإستغراب أن من تولت تنفيذ هذا الإجراءات كانت امرأة مثل صاحبة الصالون والعرائس ، ومان يفترض أن تكون أكثر إدراكاً لحجم المعاناة التي تواجهها النساء في كسب الرزق وتدبير شؤون الحياة ، ولم تقف المسألة عند تجاهل توسلات صاحبة المحل ، وإمتدت إلى عدم مراعاة ظروف العرائس اللائي إرتبطن مسبقاً بحجز هذا المكان في يوم يعد من أهم أيام حياتهن .
فبعيداً عن المنصب والصفة ، والوظيفة ، كان يتوقع أن يكون هنالك قدر من التفهم الإنساني لخصوصية الموقف وحساسية المناسبة ، فالرحمة ليست مخالفة للقانون ، والتقدير الإنساني لا ينتقص من هيبة الوظيفة ، وإنما يظهر نضجاً في فهم الرسالة التي وجدت من أجلها الخدمة العامة .
ليس المطلوب تعطيل اللوائح أو التهاون في حقوق الدولة ، ولكن يجب أن نتذكر دائماً أن وراء كل ملف إنسان ، ووراء كل انسان أسرة ، ووراء كل محل صغير قصة كفاح طويلة من أجل لقمة العيش .
ماذا تكسب الدولة عندما تتحصل الرسوم بالقوة ، وهي بسلوكها هذا تخسر ثقة مواطن بسيط كان ينتظر منها قدراً من التفهم والرحمة ، فالقانون ضرورة واجبة ، ولكن الرحمة ضرورة أكبر من كل شيء ، فإذا كان القانون مع الأقوياء ، فإن الله مع الضعفاء والمظلومين .
هل أصبحت هذه الممارسات الإدارية الخانقة جزءاً من ثقافة العمل التنفيذي ، أم أن ال7 سنوات العجاف التي مرت على البلاد كانت خصماً على التدريب والتأهيل وغرست مفاهيم خاطئة عن معنى السلطة والخدمة العامة ، لأن ما حدث يفرض على الجميع مراجعة أداء بعض الأجهزة التنفيذية وعلاقتها بالمواطنين .
ومن جانبنا لن نقف عند حدود التذمر أو نقل الروايات في المجالس ، وسنواصل رصد مثل هذه الممارسات وكشفها للرأي العام ، حتى يعلم الناس حقيقة ما يجري باسم القانون والإدارة ، وكما نضع هذه الواقعة أمام السيد المدير التنفيذي لمحلية دنقلا ، آملين أن تجد ما تستحقه من نظر ومراجعة ، حفاظاً على هيبة القانون من جهة ، وصوناً لكرامة المواطنين من جهة أخرى .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
