41.3 C
Khartoum
السبت, مايو 23, 2026

همس الحروف .. أزمة التحرير الصحفي .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

أريد منكم أن تركزوا معي في هذا الخبر أدناه الذي تناولته عدد من المواقع الإخبارية ، والصحف الإلكترونية :

وإليكم نص الخبر: ((شهدت العاصمة السودانية الخرطوم ، خلال الساعات الماضية ، حالة من التوتر الأمني عقب استهداف مواقع مدنية بعدد من الطائرات المسيرة يُعتقد أنها تتبع لقوات الدعم السريع ، وسط أنباء أولية عن وقوع إصابات ووفيات بين المدنيين .))

انتهى نص الخبر.

نجد أن عبارة (يُعتقد أنها تتبع لقوات الدعم السريع) تبدو للوهلة الأولى مهنية ، ولكنها في الحقيقة تفتح باباً واسعاً للإلتباس والتأويل ، وتُضعف الرسالة الخبرية بدلاً من أن تقويها ، إذ توحي بأن هناك جهات أخرى غير المليشيا يمكن أن تستهدف المواطنين المدنيين بالطائرات المسيرة ، وهو ما قد يفتح المجال لتفسيرات وإتهامات غير مباشرة قد تطال القوات المسلحة أيضاً ، أو غيرها من الأطراف المساندة لها ، فهذه الكلمة بسيطة جداً ولكنها فتحت باب التشكيك على مصراعيه ، وهو ما يجعل مثل هذه الصياغات بحاجة إلى قدر أكبر من الدقة والوضوح عند تحرير الأخبار ، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن القومي ، وما يهدد حياة المواطنين .

فالصحافة عندما تستخدم عبارة تحمل الشك في موضع يفترض فيه الوضوح والدقة ، فإنها تترك القارئ أمام جملة من الاحتمالات والتكهنات ، وكأنها تقول ضمناً إن هناك أطرافاً أخرى قد تكون مسؤولة عن هذا الاستهداف ، وهنا تكمن خطورة مثل هذه الصياغات ، إذ إن مثل هذا الخبر في ظل ما يمر به السودان من ظروف معقدة وتقاطعات حادة ، لا يحتمل العبارات الفضفاضة ، ولا التلاعبات اللغوية التي يُمكن أن تشوش على الرأي العام وتُفقد النص هيبته ووضوحه ومهنيته .

وأنا هنا لا أقصد الطعن في نوايا من قام بتحرير الخبر ، فالأغلب أنه صاغه بحسن نية ، أو ربما إستند إلى ما يُعرف اليوم بآفة الصحافة الحديثة ، (ChatGPT) ، الذي ينتج النصوص الجاهزة عبر الذكاء الاصطناعي ، والتي تكون خالية تماما من الحس المهني ، فالآلة قد تجيد ترتيب الجمل وصياغة العبارات لغوياً وشكلياً ، ولكنها نصوص جوفاء بدون احساس ، ولا تعالج خطورة التلميح ، ولا تعي أن خطأ صغير جداً في أي عبارة قد تحدث ضرراً بالغاً في وعي الناس ، وخصوصاً في القضايا الحساسة المرتبطة بالأمن القومي ، والاستقرار المجتمعي ، والرأي العام .

أي خبر لا يحمل هدف واضح في خدمة الحقيقة والتنوير ، يتحول إلى نص فاقد للروح والمعنى ، مهما بدا للناس منسقاً ومتقناً من الناحية الشكلية .

ومن هنا فإن المسؤولية تقع على عاتق الصحف والمواقع الإلكترونية ، وعلى المحررين قبل غيرهم ، في مراجعة الصياغات والتدقيق في الألفاظ قبل نشرها للرأي العام ، ولذلك لا بد من تحري أعلى درجات الدقة عند إختيار الكلمات ، والتمييز بين لفظ وآخر ، فالكلمة في العمل الصحفي تعتبر عنصر أساسي في بناء المعنى وتوجيه الفهم العام ، وقد تكون عبارة بسيطة كفيلة بإفراغ الخبر من مضمونه أو إضعاف رسالته وإرباك القارئ .

الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا