☘️🌹☘️
سلسلة من الخرطوم سلام
تُعد كلية النهضة شاهداً حياً على قدرة مؤسسات التعليم العالي السودانية على الصمود ، رغم ما طالها من إستهداف مباشر وممنهج لطمس هويتها عبر التخريب والسرقة وتدمير بنيتها التحتية ، ومحاولات إقتلاع ذاكرتها الأكاديمية وسجلها العلمي ، الذي كان نتاج سنوات من العمل والاجتهاد .
سخرت إدارة الكلية كل إمكانياتها في ظروفٍ بالغة الخطورة ، وخاضت تجربة قاسية عبر عمليات إنقاذ أشبه بالإنتحارية لإستخراج سجلات طلابها وقواعد بياناتها كاملة ، حفاظاً على الحقوق الأكاديمية ومنعاً لضياع سنوات من أعمار الطلاب ، وقد نجحت في ذلك بجدارة ، لتؤكد أن الهوية العلمية لا يمكن طمسها ما دام خلفها رجال ونساء يؤمنون برسالتها .
طوال فترة الحرب ، إستطاعت الكلية مواصلة أداء رسالتها التعليمية بجدارة عبر مراكزها في مروي ، وبورتسودان ، وكوستي ، وإمتدت تجربتها إلى خارج السودان في كل من القاهرة بجمهورية مصر ، والرياض بالمملكة العربية السعودية ، ولم يحدث أي تراكم أكاديمي ، وتم تخريج دفعتين كاملتين بانتظامٍ لافت ، ما يعكس إنضباطها الإداري والأكاديمي في هذا الظرف الاستثنائي .
كانت هذه الكلية من أوائل مؤسسات التعليم العالي التي عادت فور تحرير الخرطوم ، وأعلنت انطلاق الدراسة حضورياً للدفعتين 2023 و2024 في جميع التخصصات ، وسط بيئة مهيأة وإستقرار ملحوظ . وقد شهدت أروقة الكلية إقبالاً كبيراً من الطلاب وأولياء الأمور ، في رسالة ثقة واضحة تبين أن الخرطوم تسعى سعياً حثيثاً للتعافي من أثار الحرب ، وأن كل مؤسسات الدولة قادرة على استعادة دورها إذا توفرت الإرادة .
في إطار سعي الكلية إلى تطبيع الحياة في الخرطوم ، فقد دشنت أنشطتها اللاصفية كأول كلية تستأنف هذا النشاط بعد الحرب ، وإحتفلت من داخل مبانيها بعيد الاستقلال في مشهد وطني مهيب ومفعم بالحماس ، وقد تزين الطلاب بالزي القومي ليؤكدوا للعالم أن التعليم لا ينفصل عن الهوية الوطنية .
في يوليو 2025 ، إستقبلت الكلية وفداً فنياً من وزارة التعليم العالي ضمن الإجراءات النهائية لملف الترفيع إلى (جامعة النهضة) ، وهذا الملف قد إستوفى كافة متطلباته القانونية والأكاديمية ، وبات في مراحله الختامية .
أجرى وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، سعادة البروفيسور أحمد مضوي موسى ، مؤخراً زيارةً تفقدية لمقر الكلية ، وإطمأن خلالها على جاهزية القاعات والمعامل والوسائل التعليمية الحديثة ، واصفاً الكلية بالنموذج المتميز للتعليم الأهلي والخاص في السودان ، ومؤكداً إلتزام وزارته بدعم المؤسسات الجادة .
ليس غريباً أن تحظى كلية النهضة بإعتراف مميز من جهات عالمية وإقليمية مرموقة ، وهو ما عزز مكانتها ورسخ ثقة طلابها وأولياء أمورهم فيها ، ويقترن ذلك بإلتزام الكلية الراسخ بلوائح الانضباط ، وجديتها حتى أكمل ملفها القانوني والأكاديمي للترفيع ، بما يعكس إستكمال مسيرتها الواثقة نحو ترسيخ موقعها الأكاديمي والمؤسسي .
شارك طلاب كلية النهضة في الاستنفار والمقاومة الشعبية خلال هذه الحرب ، وكما بادرت الإدارة العليا للكلية بتقديم منح دراسية مجانية كاملة لأبناء الشهداء ، تجسيداً لدورها كمؤسسة تعليمية وطنية رائدة ، وبوصفها شريكاً فاعلاً في المجتمع لا ينفصل عن قضاياه .
إنعقاد اجتماع المجلس العلمي ، واجتماع مجلس الأمناء لأول مرة منذ اندلاع الحرب داخل المقر الرئيسي يحمل دلالات رمزية عديدة تدل على عودة المؤسسية وانتظام الحوكمة الأكاديمية ، ويبعث برسالة إلى أبناء الخرطوم داخل وخارج السودان بأن عاصمتهم قادرة على النهوض من جديد وفي طريقها للتعافي و إعادة البناء .
ما حققته كلية النهضة من إستعادة لسجلاتها كاملة، وتأهيل معاملها وفق ما هو متاح ، وفتح أبوابها ، وقهر آثار الحرب ، وإستقبال طلابها ، يعد إنتصاراً على المليشيا ، وإعلاناً عملياً بأن الحياة أقوى من أي حرب وإن طال أمدها ، ومن قلب هذه التجربة القاسية تدعو كلية النهضة مواطني الخرطوم في شتات الأرض إلى العودة والمشاركة في البناء والإعمار ، إيمانا منها بأن نهوض العاصمة والسودان لن يتحقق إلا بتكاتف الجميع ومشاركتهم .
ورسـالتي إلى قيادة الدولة أن تضطلع بواجبها الكامل تجاه هذه المؤسسات التي بدأت تستعيد عافيتها ، وتفتح أبوابها ، وذلك عبر الإسراع في إعادة التيار الكهربائي إليها ، وإعفائها من أي رسوم حتى تستعيد قدرتها التشغيلية ، وأيضاً يجب منحها إعفاءات جمركية لاستكمال نواقصها ، فدعمها يمثل تأكيداً فعلياً من الدولة على ثبات هذه المؤسسات التي كانت أحد أذرع الصمود والانتصار في مواجهة من حاول طمس هويتها وهوية السودان .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
