29 C
Khartoum
الإثنين, فبراير 9, 2026

همس الحروف .. بقايا المليشيا (لصوص الخرطوم) ، وضعف آليات العدالة .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

المواطن السوداني المسكين والمكلوم هو الخاسر الأول والأخير في هذه الحرب ، فقد خسر كل ما يملك ، وخسر معه إحساسه بالعدالة ، فبعد الدمار الواسع الذي طال العاصمة ، وتحولت على إثره معظم المنشآت الخاصة إلى أنقاض ، لم تتوقف المأساة عند حدود الخسائر الناتجة عن الحرب ، ونجدها تعدت ذلك إلى نهب منظم وتخريب متعمد بعد خروج المليشيا ، وهذا لا يمكن وصفه إلا بأنه استكمال واضح لمشروع إفقار الشعب .

لصوص محترفون يجوبون الأحياء الخالية ، يدخلون البيوت والمصانع المدمرة ، ويتلفون ما تبقى من ماكينات ، ويسرقون لوحات التحكم والموتورات ، ويجزرون السيارات التي لم تتمكن المليشيا من نهبها سابقاً ، ولهذا لا يمكن وصفهم إلا بما هم عليه حقيقةً ، فهم ليسوا سوى بقايا مليشيا تمارس ذات السلوك الإجرامي ، وبذات الطمأنينة ، وبنفس الاستهانة بحياة الناس وحقوقهم ، وبنفس نهج الحرب الوجودية .

هذه الجرائم لم نتمكن من تعريفها بوصفها الدقيق ، فهي ليست جرائم عادية ترتكب في حالة استقرار البلاد ، فالحرب ما زالت مستمرة ، وكان من الواجب التعامل معها في إطار قانون الحرب ، فالمتلبس في أي جريمة لحظة وقوعها يفترض أن يعامل معاملة المليشي الذي يحمل السلاح في ميدان الحرب .

المشكلة هنا لا تكمن في الفعل الإجرامي في حد ذاته ، ولكن يرجع لغياب التوصيف القانوني العادل والرادع ، وهذه الضبابية في الوصف منحت الجناة حالة الطمأنينة التي يعيشونها لحظة تنفيذ إجرامهم ، لان التشريعات الحالية في كثير من الأحيان ، عاجزة عن استيعاب طبيعة هذه الجرائم ، أو غير منصفة في آليات الإثبات ، فكيف لمواطن أعزل في حي خال من السكان ، أن يفتح له بلاغ مشروط بوجود شهود لا وجود لهم أصلًا ؟ ، وكيف يُطلب من الضحية إثبات الجريمة ، وكيف يمكن إثباتها أصلًا حتى لو كان يعرف اسم المجرم وعنوانه؟ ، وفي مقابل ذلك يتحرك المجرم في وضح النهار آمناً من المحاسبة ، وهو يضحك ، ولذلك نجد أن من نتاج هذا الواقع المفروض على الشعب يتحول القانون إلى أداة حماية قانونية لهذا المجرم ، ويصبح عبءٍ إضافي على المواطن المظلوم .

الصورة الحالية للحياة اليومية توضح أن الشعب أعزل ، وأن المجرمين يضحكون ويمارسون إجرامهم بكل طمأنينة ، فالمواطن لا يمتلك وسيلة لحماية نفسه أو ماله ، ولا يجد من يقف إلى جانبه ، وفي المقابل ، يتحرك المجرمون بطمأنينة مستفزة ، وكأنهم فوق المساءلة ، لأنهم محميين بتغافل هنا ، أو غفلة هناك ، أو بسبب ضعف في إمكانيات الشرطة من ناحية العتاد ، والعدد ، ووسائل الحركة ، أو لظروفٍ نعلمها نحن جيداً ، ولكننا لا نستطيع الجهر بها لحساسيتها .

هذا الخلل الخطير من المؤكد سينسف ما تبقى من ثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة المعنية بالحماية والمحاسبة وتطبيق العدالة ، فعندما يشعر الناس بأن العدالة غائبة ، وأن الجريمة ترتكب ببرودة دم ، يتآكل الإحساس بالانتماء ، ويصبح الظلم واقعاً معاشاً يومياً ، ويفرض على الناس التسليم به .

إذن ما هو المطلوب ؟ ، نحن لا نريد الانتقام من أحد ، ولكننا نريد إرادة سياسية واضحة ، وتشريعاً جديداً وسريعاً قبل أن يتصرف المجرم في أغراضنا ، ويجب حسم هذا السلوك التخريبي بصرامة ، وكما نطالب بإعادة توصيف هذه الجرائم كجرائم منظمة مرتبطة ببقايا المليشيا ، وتعديل آليات فتح البلاغ والإثبات بما يراعي هذه الظروف ، وكذلك نريد انتشاراً فعلياً وحقيقياً للشرطة في المناطق المتضررة وخصوصاً التي لم يصل أصحابها بعد ، ويجب أن يكون وجود الشرطة حضوراً فعلياً وليس شكلياً ، مع حماية أصحاب الحقوق بدل أن يتم تحميلهم عبء الإثبات وعجز الحماية .

لقد تم وضعنا في كماشة يصعب الفكاك منها ، وما يحدث معنا ليس لغزاً محيراً ، فهو نتاج طبيعي لغياب الرادع والعدالة. ولم يعد أمام الشعب إلا أن يردد من شدة وجعه وقهره : (لا حول ولا قوة إلا بالله ، اللهم إنا مظلومون فانتصر) ، ونحن نوقن أن هذا دعاء صادق ، وله مردوده من عند الله تعالى عاجلاً ، أم آجلاً ، غير أن ذلك لا يُسقط مسؤولية الدولة بغفلتها في نصرة المظلوم ، فكيف لنا العيش في مكان يكافأ فيه المجرم بالتغافل ، ويترك فيها الضحية يواجه كل ما حدث له وما يحدث معه الآن .. وحيداً بدون سند .

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا