18.5 C
Khartoum
الأحد, مارس 1, 2026

همس الحروف .. وقفة عند رحيل (الملك) د. محمد الحاج عبد الدائم الملك .. د. الباقر عبد القيوم علي

اليوم أنعي إليكم أخاً عزيزاً قد كان (ضوء) العين بين صحابي ، أنعي إليكم الشهامة و المروءة ، و قد باتا رهيني جندل و تراب ، أنعي إليكم أخي محمد الحاج عبد الدائم الملك ، الدكتور ، و المهندس المستشار ، و العالم رفيع المستوى ، و الرجل الذي اجتمعت فيه كل الخصال العظيمة التي جعلته فارقاً في عالمه ، و ذو أثر باقٍ في قلوب كل من يعرفه ، فهو معلماً بارعاً ليس في مجال تخصصه الهندسي فقط ، و أنما في الحياة كلها ، إنه الرجل الإنسان الجميل الذي يسع قلبه الجميع بدون فرز ، و الذي كان نسخة خاصة من البشر يسخر جل علمه ، و خبرته في الحياة في خدمة الناس ، و يسعي في هذه الدنيا لا يهدف إلا لنفع الآخرين ، لقد كان حديثه دائماً يفيض بالكلمة الطيبة الممزوجة بالفكاهة التي تُسكن القلوب ، و إبتسامتة المشرقة و المضيئة لأرواحنا ، و التي كانت لا تفارق مبسمه أبداً .

لقد كان القدر على موعدٍ معه ، فكلاهما صادقين ، و لا يخلفا موعداً أبداً ، فلقد سجل بلقاء قدره غياباً حزيناً في دفتر الحضور في هذه الفانية ، فغاب بعده صوت الخير ، و منادي الحق في كل مجال كان يزينه بطلته الحلوة ، و الجميلة ، و إن الحديث عن فقده يطول ، و تعجز الكلمات عن وصف ذلك الفقد ، مهما بلغ عمق المعاني ، فإنها لن تستطيع أن تلامس حقيقة ما يعتمل في قلوبنا من حرقة ، و ألم ، لأن العبارات تتجوف و تخلو من مضامينها أمام ما أصابنا من جلل فقدنا الذي لا يقاس بالكلمات ، ولا يمكن لحنجرة الكلام أن تحمل كل ما يعتصره القلب من ألم الفراق .

لقد كان إنساناً بحق هذه العبارة ، و يحمل وصف هذه الكلمة الدالة على عمق إنسانيتة المجردة بكل ما تحمله من معانٍ ، فلقد كان يعيش لغيره قبل نفسه ، و ينفق من علمه ، و جهده وحكمته في كل لحظة ليُفصح عن روحه الطيبة التي لا تعرف إلا العطاء ، فكان نموذجاً خاصاً لشخصية إفتراضية في فن التعامل ، فهو سعاء إلى جعل الحياة أفضل لمن حوله ، فقد أسهم في بناء العقول ، و رفع الهمم ، و لقد كان سنداً قوياً لكل فاقدي السند ، يمد يد العون دون تردد لمن يطلب ذلك و من لا يطلب ، و كان مرشداً للناس بنصائح غنية بالحكمة ، و هو منكسر أمامهم بتواضعه .

و في مجال عمله ، كان علماً يشار إليه بالبنان في سماء تخصصه ، و شامخا في فضاءات الهندسة ، يقدم مشورات لا تقدر بثمن ، ولقد حقق نجاحات لامعة ، ظلت شامخة و ما زالت تصف جمال روعة هندسة العمارة في دبي و الشارقة و عجمان بدولة الإمارات العربية المتحدة ، جعلته قدوة لأصحاب المهنة ، و لكن أكثر ما كان يميز الدكتور محمد الحاج هو قدرته على التوازن بين الجوانب العلمية و الإنسانية في شخصية بسيطة و مرحة و متكاملة بين النجاح المهني وحب العطاء و التضحية و الإنسانية العميقة .

لقد فقدنا رجلاً عظيماً قدم الكثير ، و رغم مرارة الفقد ، تبقى الذكريات الطيبة ، والكلمات الحكيمة ، و الابتسامة التي لا تُنسى ابداً ، إنها محطات تذكرنا دائماً بما كان عليه هذا الرجل الفذ ، لقد رحل عنا جسداً ، و حرقة فقده في وسطنا لا تتوقف على ذهابه ، و تتجلى روحه في كل لحظة غياب تسجلها ذكرياته في دفتر الحضور ، فذهب و ترك لنا إرثاً ضخماً من القيم التي تتنقل فينا بمعانيها السامية ، و تُلهمنا أن نكون دائماً كما كان ، فهو من زمرة الخيرين الفاعلين في دائرة أكبر من محيط حياته ، فغيابه كان مؤلماً علينا ، لأن قلوبنا الصغيرة كانت مملوءة بحبه ، و فجأة في لحظة صمت تركنا ، و ترك لنا فراغاً ضخماً لا يسده أحد ، و لكنها سنة الحياة ، و إن كانت قاسية جداً علينا ، فهكذا تمضي بنا الأيام ، و لا تلتفت لآلامنا ، و ها نحن نعيش تفاصيل الحياة بقدر ما نعطي ونسهم للآخرين .

أعزي نفسي أولاً قبل أن أعزي أهله فيه ، فرحيل هذا الأخ العظيم قد خلف في قلوبنا ألماً عميقاً ، و حزناً دفن نفسه بين ضلوعنا و توسط صدورنا ، ، و بفقده فقد فقدت جزءاً أصيلاً من روحي ، و جمال إحساسي بطعم الحياة التي كنت أراها دائماً متجسدة في شخصه ، فكيف لي أن أعزي غيري في فقدي ، فلم أستطع حتى الآن أن أواسي نفسي في مصابي ، ، فآاااه من وجع الزمان و قهر القدر ، و عزاءنا في ذلك أن الله أرحم به منّا ، و أنه الآن في جوار رب عظيم ، و رحمن رحيم ، حيث لا فراق هنالك و لا ألم ، و نحسبه من الأخيار و الله حسيبه ، و يقيننا ثابت في رحمة الله بنا جميعا ، و أن الموت ليس النهاية ، بل هو بداية لرحلة عظيمة في دار الخلود .

اللهم اغفر له ، و أرحمه برحمتك التي وسعت كل شيء ، واجعل قبره روضة من رياض الجنة ، اللهم اجعل ما أصابه في الدنيا من تعب ، و من هم ، و ألم ، و مرض كفارة لذنوبه ، وأجعلها رفعة له في الآخرة ، اللهم ثبته عند السؤال ، و أجعل الجنة داره ، و أسألك اللهم أن تجعل وجهه منيراً بنورك يا عظيم السموات و الأرض ، و ان تكرمه بفضلك ، و بسعة رحمتك يا أرحم الراحمين .

أبعث بأحر آيات التعازي لأبنائنا حسام ، و حاتم ، و إيهاب ، و أمجد ، و نزار ، و لإخوانه النصري ، و معتصم ، و فيصل ، و عماد ، و عبد المنعم ، و خالد ، و لزوجته عزيزة و أهلها ، و لأخواته ، و لكل آل الملك بدنقلا ، و إيماني ، و جزيرة بنا ، و لجميع أهله ، و أصدقائه ، و زملاء صبوته و كهولته ، و لكل من يعرف فضله ، و اسأله ان يجعل البركة في عقبه ، و أن ينزل رحمة من عنده على قلوبنا جميعا توازي مرارة فقدنا فيه ، و إنا لله و إنا إليه راجعون و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا