☘️🌹☘️
بعض الأماكن التي نذهب إليها للقاءاتنا ، نتكرر عليها دائماً لأن أرواحنا ألفت ما فيها من دفء ، ولأن المجالس مثل البشر ، لها أرواح ، قد لا تُرى بالعين المجردة ، ولكنها تُحس ، ومن تلك الأماكن التي نحبها وتحبنا ، مكتب الأخ العزيز الدكتور العاص أحمد كامل ، المدير الإقليمي لمنظمة البصر الخيرية العالمية ، ذلك المكان الذي إعتاد أن يجمع أطيافاً من قيادات المجتمع السوداني ورموزه ، فيمتزج فيه الفكر بالفن ، والثقافة بالطب والدبلوماسية الشعبية ، وتجارب الحياة المختلفة بحكايات الناس ، وتصبح الأحاديث العفوية أحياناً أمتع من الندوات المرتبة والخطب المعدة سلفاً .
وفي هذا المجلس العامر ، الذي لا يحتاج فيه الإنسان إلى إستئذان طويل كي يألف المكان ، ولا إلى تكلف كي يشارك في الحديث ، سعدت بلقاء البروفسير عبد اللطيف البوني ، ثم الأستاذ جمال عنقرة ، وهما على إختلاف التجارب وتنوع المسارات ، يعتبران من الأسماء التي تركت بصمتها في فضاءات الإعلام السوداني ، عبر الكلمة المكتوبة ، والصوت المسموع ، والصورة المرئية ، ولكل منهما نكهته الخاصة ، وطريقته في إستدعاء المعلومات الغنية بالمعرفة ، وتلك القدرة المحببة على تطعيم المعرفة بشيء من المرح الذي يجعل الحديث قريباً من القلوب .
جلست إلى البروفيسور عبد اللطيف البوني ، صاحب التجربة الصحفية والأكاديمية الثرية ، الذي جمع بين البحث العلمي والكتابة الصحفية ، وقد عُرف بمقالاته الرصينة التي إحتضنتها الصحف السودانية ، وبكتاباته وكتابه (حاطب ليل) في أجزائه الثلاثة ، فضلاً عن إسهاماته في دراسة الشأن السياسي السوداني ، وما إن يجلس المرء إلى رجل خبر الصحافة وأروقة السياسة ومناهج البحث ، حتى يجد نفسه أمام ذاكرة تتقاطع فيها خيوط المعرفة بالتجارب ، والتحليل بحكايات الواقع .
وبينما كنا في غمرة الأنس مع البوني ، كلما إنفتح الباب ودخل علينا أحد ، فكنت أتطلع إليه ، وأتمني في سري ، راجياً أن يكون الداخل علينا هو الأستاذ جمال عنقرة ، ولم يكن ذلك انتقاصاً من حق الحاضرين معنا ، ولكن شوقاً إلى لقاء كنت أرجو إكتمال فرحته باجتماع الرجلين في مجلس واحد ، ولكن للأقدار ترتيبها الخاص ، فقد ظل جمال غائباً عن المجلس طوال وجود البوني ، ولم يصل الأخ جمال إلا بعد أن غادرنا الأخ البوني .
وهكذا لم يكتب الله لي أن أجتمع مع الرجلين في جلسة واحدة ، غير أن ما حدث كان أشبه بإستمرار حديث إنقطع عند باب المجلس عندما غادرنا البوني ، ثم استؤنف من الباب ذاته بوجه آخر وصوت آخر عندما حضر عنقرة ، فجلست إلى جمال عنقرة ، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي وصاحب التأملات ، فوجدت نفسي أمام تجربة مختلفة في تفاصيلها ، لكنها تلتقي مع تجربة البوني في سعة الإهتمام بالشأن السوداني ، ومتابعة تقلبات المشهد العام ، والإنشغال بالكلمة والإعلام .
ولعل أجمل ما في تلك اللقاءات أن قيمة المجالس تكمن في ما يتركه الحاضرون في النفس بعد إنفضاضها ، فهناك أناس يضيفون إلى المكان شيئاً من الألق ، فإذا غادروا بقيت أصواتهم ترن في آذان المجلس ، وإذا عادوا تجدد الأنس كأن الغياب لم يكن .
أما صاحب الدار ، الأخ العزيز الدكتور العاص ، فهو حكاية أخرى ، رجل يمتلئ المكان بحضوره ، فإذا تحدث أنصت المجلس إليه ، وإذا صمت لم يكن صمته فراغاً ، ولكنه يعطي فسحة يتسع فيها المجال للآخرين ، فيغمر ضيوفه بكرم سوداني أصيل لا يقف عند حد المائدة وحسن الضيافة ، إذ يمتد إلى حسن الاستقبال ، وطيب المعشر ، وإشعار كل زائر بأنه بين أهله .
حفظ الله البروفيسور عبد اللطيف البوني ، والأستاذ جمال عنقرة ، والدكتور العاص أحمد كامل ، وأدام الله عليهم نعمة الصحة والعافية ، فهم من أولئك الذين يتركون في الأمكنة شيئاً منهم ، وفي المجالس شيئاً من البهجة ، ولذلك تكون في ذاكرة من يلتقون بهم حكايات تستحق أن تُروى .
فبلادنا التي أنهكتها الهموم ، لا تزال بخير ما دامت فيها مجالس تجمع أهل المعرفة ، وتفتح أبوابها للمودة ، وتمنح الناس فرصة أن يختلفوا في الرؤى ، ويتفقوا على محبة الوطن .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
