33.2 C
Khartoum
الأحد, أغسطس 9, 2026

همس الحروف .. رحلت التي جمعت القلوب حولها ، الحاجة سنية بنت الحفيان .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

في زحمة الحياة ، تسير الأيام مسرعة ، وكأنها لا تلتفت إلى أي شيء ، تجري السنوات وهي تجر خلفها الشهور ، وتمضي الشهور بالأيام ، والأيام بالساعات ، والساعات بالثواني ، حتى نظن أن كل شيء باقي كما هو ، فننشغل بأرزاقنا ، ومسؤولياتنا ، وأحلامنا المؤجلة ، ونؤجل حتى السؤال عن أنفسنا ، وعن الذين نحبهم ، إلى أن يأتينا خبر لا يستأذن منا أحد ، ويقطع علينا صخب الحياة بكلمات قليلة وبسيطة : إنتقل فلان إلى رحمة مولاه .

هنا تحدث الصدمة ، ويتوقف الزمن للحظات ، وندرك وقتها أن الأمس لم يكن بعيداً ، وأن من كان بيننا يملأ المكان حضوراً وألقاً ، أصبح اليوم ذكرى حزينة تتقطع لها القلوب .

أسرة العارف بالله الشيخ عبد الجبار المبارك تلمست هذا المعانى منذ سنوات ، عند رحيل والدهم ، وهو في ريعان شبابه ، ولا تزال فيه للأبوة ظلال يستظلل بها أطفاله ، وبيته وسجادته . فقد كان الفقد عظيماً وقتها وما زال ، ولكن خلف ذاك الوجع والرحيل المر ، بقيت هنالك امرأة عظيمة ، وهي الحاجة سنية الشيخ عبد المحمود الحفيان ، التي كان إسمها على مسمى ، وهذا الإسم له ما بعده فهو يعني المرأة ذات المقام الرفيع وصاحبة الشأن العالي ، والشريفة والمتألقة المنسوبة إلى السناء والرفعة ، فقد تحملت هذه المرأة من أعباء الحياة ما لا يراه إلا الله ، فصبرت على قسوة الأيام ، وربت أبنائها ، وهي تربت على رؤوسهم حتى كبروا ، فحفظت بيتاً لم يكن كسائر البيوت ، لأنه كان عامراً بالناس ، مفتوحاً للضيوف ، ومقصداً لأهل الحاجة ، وإمتداداً لما غرسه الشيخ عبد الجبار من علم ، وذكر ، وكرم .

لم يكن صبرها يتخلله صخب يسمعه الناس ، ويكيفها فخراً أنها شيخة بنت شيخ جليل وزوجة شيخ جليل ، فكان كل يوم حملت فيه مسؤولية هذا البيت ، يعد يومياً شاقاً ولكنه كان يمر بهدوء ، فشهد الناس لها بالثبات الذي لا يحتاج إلى إعلان ، فظلت تبني هذه الأسرة لبنة لبنة ، حتى كبر الأبناء ، وصاروا امتداداً لخير والديهم وسيرتهما الحسنة .

فاليوم تغيب هذه المرأة العظيمة عن دنيانا ، بعد حياة كانت فيها أم للجميع ، تجمع الناس حولها ، ويستمد ذلك البيت عافيته من حضورها ، وتأنس القلوب بقربها منهم ، حتى أتى يوم رحيلها الذي خلف بعدها فراغاً موحشاً يملؤه الحزن ، ويجاهد الصبر في مواجهته ، ولا يهون من وطأة هذا الفقد العظيم إلا الإيمان بقضاء الله وقدره ، والرضا بحكمه ، ورجاء ما عنده .

وتبقى ذكراها العطرة ، بما حملته من محبة وكرم وعطاء ، حاضرة في نفوس جميع من عرفوها ، وتفوح سيرتها في كل الأمكنة التي كانت تمر بها ، وتظل حية في القلوب ، لا يغيبها الرحيل ولا تطوي الايام صفحات ذكراها .

نسأل الله أن يتغمد الحاجة سنية ، زوجة الشيخ عبد الجبار المبارك ، بواسع رحمته ومغفرته ، وأن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة ، وأن يجزيها خير الجزاء على ما قدمت من صبر ، وتربية لأبنائها ، وإحسان للناس .

رحم الله الشيخ عبد الجبار المبارك ، ورحم شريكة دربه ، وجمعهما في مستقر رحمته ، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً .

أتقدم بأحر التعازي وصادق المواساة إلى أبنائها وبناتها جميعاً ، وعلى رأسهم الدكتورة سلمى عبد الجبار المبارك عضو مجلس السيادة السابق ، والسلطانة د. هدى ، خليفة ومعمرة سجادة والدها الشيخ عبد الجبار المبارك ، وكما نعزي أنفسنا في هذا الفقد ، وسائر أسرتهم الكريمة ، وجميع الأهل بالدوحة الطيبية بطابت الشيخ عبد المحمود ، في رحيل الحاجة سنية ، تلك المرأة الصابرة التي أفنت عمرها في خدمة أسرتها ، وحفظ إرث زوجها ، فكانت مثالاً للأم المؤمنة الصابرة والمحتسبة ، نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتها ، وأن يسكنها الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وأن يربط على قلوب أهلها ومحبيها ، ويلهمهم جميل الصبر وحسن العزاء .

إنا لله وإنا إليه راجعون. elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا