37.2 C
Khartoum
الخميس, أغسطس 6, 2026

همس الحروف .. الجامعة التركية الجديدة بالسودان ، أم إنقاذ الجامعات القائمة؟ .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

توقيع بروتوكول لإنشاء جامعة سودانية تركية في الخرطوم خطوة يمكن النظر إليها بإيجابية من حيث الإرتقاء بالتعاون الأكاديمي والإنفتاح على تجارب تعليمية جديدة ، وليس من المنطقي أبداً رفض أي مشروع علمي أو إستثماري لمجرد أنه جديد في هذه الظروف الإستثنائية التي يعيشها السودان الآن ، فكل إضافة حقيقية لمنظومة التعليم العالي بالسودان تستحق من الجميع الترحيب بها .

لكن هل نحن نحتاج إلى جامعة جديدة ؟ ، وهل الأولوية الآن لإنشاء جامعة جديدة ، أم إنقاذ الجامعات القائمة ؟

السودان يمتلك بالفعل عدد ضخم من الجامعات والكليات والمعاهد العليا ، إلا أن معظمها خرج من الحرب في حالة دمار تام ، مباني تعرضت لأسوأ أنواع التدمير والنهب ، فالمعامل فقدت كل تجهيزاتها ، وبذلك أصبحت بنيتها التحتية غير قادرة على تقديم الحد الأدنى من البيئة التعليمية التي يستحقها الطالب والأستاذ معاً .

وقد إتخذت وزارة التعليم العالي قرار بإعادة جميع الجامعات إلى مقارها بالعاصمة الخرطوم ، وهو قرار يمكن تفهم دوافعه بإعتباره خطوة نحو إستعادة الحياة إلى العاصمة ، وتشجيع عودة المواطنين ، بمن فيهم أولياء الأمور ، من أجل الإسراع فى وتيرة التعافي والإعمار ، ولا شك أن من أهم مظاهر عودة الحياة إلى المدينة هو إنتظام الدراسة فيها ، وإستقرار المؤسسات التعليمية .

فالعودة إلى الدراسة بهذه الصورة لا يحقق الغاية المرجوة ، فالجامعة ليست هي مبانى تفتح أبوابها لإستقبال الطلاب وينتهي الأمر على ذلك ، ولكن في حقيقة الأمر هي منظومة متكاملة تقوم على القاعات الدراسية ، والمعامل ، والمكتبات ، والأجهزة ، وشبكات الإنترنت ، والوسائل التعليمية ، وكل ما يضمن سير العملية الأكاديمية بصورة سليمة ويحقق الحد الأدنى من الجودة المطلوبة .

كيف يمكن أن نطالب الجامعات بإستقبال آلاف الطلاب وهي تفتقد لأبسط معينات التدريس؟ ، وكيف يمكن أن نتوقع مخرجات تعليمية جيدة إذا كانت هذه المؤسسات نفسها عاجزة عن إعادة بناء ما فقدته؟ .

ومن هنا ، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تقف عند إصدار قرارات العودة وتكتفي بذلك ، وكان من الواجب والضروي أن تمتد إلى تمكين الجامعات لأداء مهامها التعليمية بصورة واقعية ، ومن أهم ما يمكن أن تقدمه الدولة في هذه المرحلة هو منح الجامعات إعفاءات جمركية وضريبية ، وكذلك منحها إعفاءات من الرسوم المليارية المفروضة عليها ، حتى تتمكن الجامعات من إسترداد عافيتها ، وإستيراد الأجهزة المعملية ، والمعدات ، والأثاث ، والكتب ، وكل ما يلزم لإعادة تأهيل البيئة التعليمية ، إلا أن المشكلة الاساسية تتوقف على فهم القائمين على الامر ، لأنهم ينظرون لهذه المتطلبات بإعتبارها إمتيازات ، وفي الأصل هي أدوات ضرورية لإنقاذ القطاع الذي يمثل مستقبل البلاد .

وللأسف أن الدولة السودانية لا تعرف ثقافة الإعتذار ، ولا ثقافة التعويض ، فالأضرار التي لحقت بهذه المؤسسات كبيرة جداً ، وكان من واجبها على الأقل أن تزيل العقبات التي تعيق إعادة البناء ، بمنح الجامعات الفرصة الكافية لإستعادة قدرتها على أداء رسالتها .

من المؤكد أن إنشاء جامعة جديدة قد يكون مشروعاً مهماً ، وخصوصاً ان هذا الموضوع تحديداً تم بشراكة ذكية مع دولة أوروبية ، فمن المؤكد انه سيحقق قيمة مضافة في جودة التعليم العالي بالسودان ، ولكن نجاح هذه الجامعة الجديدة لن يعوض تراجع عشرات الجامعات القائمة إذا ظلت تعاني من ضعف الإمكانات وإنعدام البيئة المناسبة للتدريس والبحث العلمي .

فالأولوية هي تحسين جودة الجامعات الموجودة ، وإعادة تأهيلها ، وتمكينها من أداء رسالتها ، فالتعليم العالي ليس بكثرة الجامعات ، ولكن الجودة الحقيقية تكمن في ما تنتجه تلك الجامعات من معرفة ، وبحث علمي ، وخريجين قادرين على بناء وطنهم .

سنخسر الكثير إذا بقيت الجامعات بصورتها الحالية أسماء بلا إمكانات ، أو مؤسسات تعليمية بلا (علم) مؤسس ، وهي الآن تؤدي رسالتها في ظروف تجعل النتيجة في النهاية ، صفراً كبيراً إذا لم يتم تدارك هذه المرحلة المفصلية من عمر الجامعات .

الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا