39.3 C
Khartoum
الجمعة, يوليو 17, 2026

همس الحروف .. حكمة الشيخ فرح ود تكتوك ، ورمزية الأسد في قصيدة بشر ..✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

قف☘️🌹☘️

من أجمل ما يميز حكم الشيخ فرح ود تكتوك أنها لا تُقال من أجل إطلاق العنان للبلاغة كإفراط في الثرثرة وزيادة في الحديث ، لأنها جاءت كخلاصة لتجارب البشر في معرفة الناس وكيفية التعامل معهم ، ومن أشهرها قوله : (القادر ما تقادرو ، والعوير ما تهاظرو ، وما تشهد بي الماك حاضرو) ، وهذه الحكمة ، على قصرها ، فقد جمعت بين ثلاثة معاني كبيرة .

فالأولى (القادر ما تقادرو) ، فهي لا تعني الخوف من أصحاب القوة والنفوذ ، ولكنها هي دعوة إلى الحكمة ، لأن العاقل لا يدخل في أي صراع مع من يملك أسباب القوة ، وفي نفس الوقت لا يلتزم بضوابط العدل ، لأن في بعض المعارك معيار الحق فيها هو قوة النفوذ فقط ، والحكمة هنا ليست هزيمة الخصم ، بقدر ما هي تنازل من باب حسن تقدير المواقف .

وأما الثانية ، (العوير ما تهاظرو) ، فهي أبلغ من الأولى ، لأن العوير هو صاحب الخلل في الرأي ، أو الخُلق ، وفي أي شيء يتعلق بالعقل ، فهو دلاهة ، وموطن للبلاهة ، ومجادلته تقود دائماً إلى طريق مغلق لان المنطق يقف عاجز في مثل هذه المواقف التي لا تزيد العاقل إلا إضاعة لوقته ، ولذلك يفضل الإبتعاد عن العوير تحوطاً ، لأن الإنسان لا يربح شيء من خصومة لا يحكمها عقل .

ثم تأتي الثالثة ، وهي ميزان العدل كله: (وما تشهد بي الماك حاضرو) ، فالشهادة مسؤولية ، ولا ينبغي للإنسان أن يخوض فيما لم يشهده أو يتحقق منه ، لأن الكلمة إذا خرجت بغير علم أصبحت ظلم ، والظلم لا يدوم .

ولذلك بقيت هذه الحكمة صالحة لكل زمان ، فهي ترشد الإنسان دائماً إلى معرفة من يستحق المواجهة ، ومن يستحق التجاهل ، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام .

وتحضرني في هذا المعنى قصيدة بشر بن عوانة مع الأسد ، ففي وصفه لهذا المفترس يقول :

يُكفكف غيلة إِحدى يديه
ويبسط للوثوب علي أخرى

يدل بمخلب وبحد ناب
وباللحظات تحسبهن جمرا

فالصورة هنا ليست وصف لحيوان مفترس وينتهي الامر عند ذلك ، ولكن الموضوع يتجاوز حدود الوصف المجرد ليصور لنا من يعتمد على التخويف وإستعراض قوته والعكس هنا هو الصحيح ، غير أن القصيدة لا تنتهي عند هذا الحد ، لتنقلنا إلى لحظة الحسم ، عندما ينقلب ميزان القوة وينهي الامر بتكسير عشرة من ضلوع الاسد قبل ان يموت متأثراً بجراحه ، وياتي ذلك في قول بشر :

وأَطلقت الْمهند من يميني
فقد له من الأضلاع عشرا

فخر مجدلاً بدم كأني
هدمت به بناء مشمخرا

والعبرة هنا ، في هذه الأبيات ليست تمجيد للقوة ، ولكنها صورت لنا الفرق بين (السواي والحداث) ، لان الحداث غير فعال ، فهو كالبرميل الفارغ الذي إذا قرعته يصدر صوتاً عالياً ، فالخصم في الحقيقة أسد من ورق ، ولذلك أتت النتيجة كالبيان بالعمل في ساعة الاختبار ، لأن الفارق هنا يظهر بين من يعتمد على المظاهر ، ومن يعتمد على الثبات .

ولهذا فإن الحكمة في مقولة الشيخ فرح وقصيدة بشر تلتقيان في معنى واحد ، وهو ليس كل من يرفع صوته هو الغالب ، وليس كل من يستعرض قوته سينتصر ، لأن الانتصار الحقيقي لا يكون بكثرة الصخب ، وإنما بسلامة الحجة ، وصحة الدليل ، وثبات الموقف ، والصدق ثم الصدق .

ومن يفهم حكمة الشيخ فرح ود تكتوك يعرف أن الناس ليس كلهم (سواء) ، فمنهم من يُحاور لأن الحوار معه يثمر ، ومنهم من يجب تجاوزه لأن الجدال معه مصيبة ، ولا يزيد إلا الطين بله .

ودائماً الوصول إلى الحقيقة لا يحتاج إلى صوت عالي ، ولا إلى تجريح الناس ، والطعن في نزاهتهم ، ونواياهم ، فالحجة هي الحجة وتكفي صاحبها ، والزمن كفيل ليعرف الناس من إستند إلى العلم والمنطق والحق ، ومن إستند إلى الادعاء والكذب والنفوذ الأجوف ، وهكذا تبقى الحكمة القديمة والقصيدة العربية شاهدتين على معنى واحد : وهو أن العقل هوالعقل الذي يسبق الخصومة ، والجهل هو الجهل الذي يقود صاحبه إلى الهلاك .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا