في ظل ما تداولته بعض الوسائط ومنصات التواصل الاجتماعي حول سبب حضور اللواء شرطة (طبيب) عامر الصادق إلى الولاية الشمالية من أجل الإدلاء برأيه أمام المحكمة في إحدى القضايا الجنائية ، فظهرت العديد من الروايات والتفسيرات التي إبتعد بعضها عن الوقائع والإجراءات القانونية والفنية التي صاحبت القضية المعنية .
ومن المهم توضيح الحقائق للرأي العام بعيداً عن الانفعال أو الأحكام المسبقة .
اللواء شرطة (طبيب) عامر الصادق يُعتبر من الأسماء المعروفة في مجال الطب الشرعي بالسودان ، فهو استشاري في الطب الشرعي ومحاضر في عدد من الجامعات السودانية بكليات الطب في كل من جامعة الخرطوم وجامعة الرباط الوطني ، وجامعة العلوم والتكنولوجيا (مأمون حميدة) ، كما تقلد عدد من المواقع القيادية والمهنية المهمة ، وإكتسب خبرة طويلة في مجالات الطب العدلي والتشريح الجنائي والتحقيق الطبي المرتبط بالقضايا الجنائية .
وقد حضر الرجل إلى الولاية الشمالية بناءً على طلب المحكمة المختصة ، للإستماع إلى رأيه الفني المتخصص بحكم خبرته الطويلة ومعرفته العلمية والمهنية بالقضايا المرتبطة بالطب الشرعي وخصوصاً انه كان مديراً لمستشفى الشرطة بدنقلا ، وأهل دنقلا يعرفونه جيداً بخبرته الواسعة في مجال الطب الجنائي .
ومن الضروري جداً التفريق بين الشهادة بالمفهوم المتداول لدى العامة وبين الرأي الفني الذي يقدمه المختص أمام القضاء ، وهو حجة ، فما قدمه الدكتور عامر لم يكن شهادة وقائع شاهدها بنفسه ، ولكن كان ذلك من باب التقييم الفني والعلمي لمستندات وتقارير معروضة أمام المحكمة ، وهذا الأمر ممارسة معروفة في العمل القضائي عندما تحتاج المحكمة إلى رأي خبير متخصص يساعدها في فهم الجوانب الفنية للقضية .
وخلال إفادته أوضح للمحكمة أن التقرير محل النقاش صدر من طبيب عمومي ، وليس من مختص في الطب الشرعي ، أو ممن يباشرون أعمال التشريح الجنائي بصورة تخصصية ، كما أشار إلى أن التقرير لم يُنجز وفق الإجراءات التشريحية المعروفة في الطب العدلي ، وإنما إستند إلى المعاينة الظاهرية والنظر الخارجي للجثمان .
وأفاد أن مثل هذه التقارير قد تكون مناسبة في حالات محددة وواضحة الأسباب ، كحوادث الدهس أو الغرق التي تتوافر بشأنها قرائن وشواهد مباشرة ، غير أن القضايا الجنائية التي تثار حولها تساؤلات تتعلق بسبب الوفاة أو ظروفها تستوجب في العادة إجراءات فنية أكثر تفصيلاً ودقة للوصول إلى نتائج علمية يمكن الاستناد إليها كما في حالة هذه القضية .
إن الرأي الذي قدمه الدكتور عامر الصادق لم يكن موجهاً لمصلحة شخص أو ضد آخر ، ولم يكن دفاعاً عن متهم أو إدانة له ، وإنما كان رأياً مهنياً أملاه عليه علمه وخبرته وضميره المهني أمام جهة قضائية طلبت منه إبداء الرأي الفني المتخصص .
كما أن ما أثير بشأن وجود علاقة بين حضوره وبين اللواء محمد الحسن الكودابي مدير شرطة الولاية الشمالية لا يستند إلى أساس موضوعي ، وأن إستدعاء الخبراء أمام المحاكم يتم وفق سلطات وإجراءات قضائية معلومة ، ولا يدخل ضمن صلاحيات أي مسؤول تنفيذي أو أمني إختيار من يمثل أمام المحكمة أو توجيه مسار الشهادات الفنية فيها .
فإحترام القضاء يقتضي إحترام حق المحكمة في الإستعانة بمن تراه مناسباً من أهل الاختصاص، ومن الواحب كذلك إحترام حق الخبراء في تقديم آرائهم العلمية بإستقلال وتجرد ، دون تحميل تلك الآراء ما لا تحتمل أو ربطها بإعتبارات شخصية أو إنطباعات متداولة في الوسائط .
ويبقى الفيصل في الموضوع ما تقتنع به المحكمة من بينة وأدلة وآراء فنية ، وفقاً لما يمليه القانون والعدالة ، أما المختصون والخبراء فدورهم ينحصر في تقديم المعرفة العلمية التي تعين القضاء على الوصول إلى الحقيقة .
ولهذا يجب النظر لحضور اللواء شرطة (طبيب) عامر الصادق بإعتباره حضور خبير وأكاديمي وإستشاري في الطب الشرعي إستدعته المحكمة للإستفادة من خبرته ، وليس بإعتباره طرفاً في النزاع أو ممثلاً لأي جهة من الجهات .
