34.7 C
Khartoum
الجمعة, يونيو 12, 2026

همس الحروف .. من الذي يقود عقول أبنائنا ، وكيف نحمي القيم الأسرية .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

شهد العقدان الماضيان إنتشار واسع لرسائل إعلامية ، وإعلانية ، وثقافية تروج لأفكار دخيلة على مجتمعنا ، بأساليب تبدو بسيطة ومحببة لدى البعض ، من خلال النكتة وخفة الظل ، بهدف تجميل سلوكيات ضارة أو التقليل من خطورتها ، وتتمثل في قصص المساطيل ، الذين يُنسب إليهم مواقف خارقة وأفكار استثنائية ، فيصورن المسطول على أنه شخص خارق أو بمتلك الحكمة ، وأنه صاحب حلول غير مألوفة للمشكلات وله قدرات ذهنية فريدة ، غير أن هذه الصورة بعيدة كل البعد عن الواقع ، فالمخدرات لا تصنع الإبداع ، ولا تنمي القدرات ، ولكنها تؤدي إلى الإضرار بالعقل والصحة النفسية ، وتظهر آثارها السلبية على الأسرة والمجتمع بأكمله .

واليوم يواجه المجتمع مسألة أخطر من قصص المساطيل وتتمثل في الانتشار الواسع لمقاطع فيديو قصيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي ، وهذه المقاطع تعتمد على الإثارة وجذب الانتباه بالتركيز على قصص الخيانة الزوجية والصراعات الأسرية ، والعلاقات غير المشروعة يقوم بتمثيلها شباب من جيلهم ، ويصورون الأسرة وكأنها ساحة دائمة للعشق المحرم والغدر والخداع وإنهيار الثقة بين الأزواج ، ومع التكرار المستمر لهذه المضامين ، قد يعتاد الشباب على هذه الصور الذهنية من خلال الإثارة ، وتتحول من سلوكيات مرفوضة إلى مشاهد مألوفة ومتكررة .

إن الخطورة الحقيقية تكمن في التأثير التراكمي الذي يحدث مع مرور الوقت ، خصوصاً لدى الأطفال والمراهقين الذين لا تزال شخصياتهم وقيمهم في طور التشكيل ، فالعقل البشري يتأثر بما يراه بصورة متكررة ، ومع كثرة التعرض لمحتوى يركز على الخيانة الزوجية والتفكك الأسري ، ويصور الزوجة في دور الخائنة أو المجرمة التي تتآمر على زوجها وتخطط لقتله طمعاً في المال مع سعيها وراء علاقة محرمة ، فتتكون لدى الثغار تصورات مشوهة عن الأسرة والعلاقات الإنسانية ، وكما يؤدي ذلك إلى إضعاف مفاهيم الثقة والوفاء والاحترام المتبادل التي تشكل الأساس المتين للحياة الزوجية واستقرار المجتمع .

وهنا لابد من دخول دور الأسر والمدارس والمؤسسات التربوية في بناء الوعي الرقمي لدى الأبناء وترسيخ القيم التي تمكنهم من التعامل الواعي مع المحتوى الذي يتعرضون له في كل يوم ، فالحل لا يكمن في المنع أو الحجب وحدهما ، ولا بد من الحوار الهادف والتوجيه المستمر وتنمية مهارات التفكير النقدي ، حتى يتمكن الأبناء من التمييز بين المحتوى النافع الذي يسهم في بناء شخصياتهم ، والمحتوى الذي يعتمد على الإثارة وجذب الانتباه على حساب القيم والأخلاق ، كما أن من الضروري تشجيعهم على متابعة المواد التعليمية والثقافية والإبداعية التي تنمي معارفهم ومهاراتهم ، وتفتح أمامهم آفاق أوسع للإبداع والنجاح وخدمة المجتمع .

إن المحافظة على تماسك الأسرة مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الأسر والمدارس والمؤسسات التربوية والمجتمع بأسره ، وكلما ازداد وعينا بطبيعة المحتوى الذي نتلقاه عبر شاشات الهواتف ووسائل التواصل المختلفة ، يزداد حرصنا على توجيه أبنائنا نحو الاستخدام الرشيد للتقنية ، وتصحيح مفاهيمهم وحثهم على الاستفادة ، وتجنب سلبياتها ، كما ينبغي أن نغرس في نفوسهم قيمنا الأصيلة ومبادئنا الراسخة ، وأن نعمل على بناء جيل واعي ومحصن بالفكر والمعرفة ، وقادر على مواجهة الانحرافات الفكرية والثقافية التي قد تفرضها بعض وسائل والتواصل الحديثة .

فيا أهل السودان ، أبناؤنا أمانة في أعناقنا ، وما نزرعه اليوم في عقولهم من وعي ومعرفة وقيم راسخة ، هو الذي سيحدد ملامح مجتمعنا في المستقبل ، ويصنع جيل قادر على الحفاظ على هويته والمساهمة في نهضة وطنه وأمته .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا